هذه مواضيع اعتمدنا عليها في التحضير لمسابقة الدكتوراه في تخصصات القانون الخاص، القانون المدني والعقود، قمنا برقنها لنشاركها معكم وسيتم نشرها بالتدريج، تجدون في التهميش المرجع المعتمد
المبحث الأول[1]:
المبحث الأول[1]:
المقصود بمبدأ سلطان الإرادة.
المطلب الأول:
أسس مبدأ سلطان الإرادة.
الفرع الأول: معنى مبدأ سلطان الإرادة.
مبدأ سلطان
الإرادة أو النظرية التقليدية للعقد، هو انعكاس لأهم المبادىء التي استقر
عليها العقد أثناء فترة إزدهاره في ظل المذهب الفردي، حيث انبثق عن هذه
المبادىء القانونية مجموعة أفكار فلسفية واقتصادية يقوم عليها المجتمع الليبرالي.
أولاً:
الأفكار الفلسفية للمبدأ
يرى أنصاره أن الناس ولدوا أحراراً ومتساويين، فالإنسان حر في جوهره لا
يركن لإرادة غيره، وإرادته مطلقة من كل قيد، فهو يلتزم بما شاء ومتى أراد من أجل
تحقيق مصلحته، وحسب رأيهم فالإرادة الحرة الفردية هي المصدر الوحيد للإلتزام
التعاقدي، فهذه الأفكار تعترف للانسان بوجود حقوق طبيعية ذاتية يتمتع بها، وهي
حقوق يكتسبها بمجرد كونه إنسان، وما وجد المجتمع إلا ليكون الوسيلة المثلى لحماية
هذه الحقوق، وفي سبيل تحقيق ذلك يجب الاعتراف أنه ليس للإنسان سلطة طبيعية على
غيره، وأن إخضاع الفرد لقوانين غيره أمر منافي للأخلاق لذا لا يجب أن يخضع الإنسان إلا لشرعيته الذاتية.
*والأساس
الفلسفي يقيم حجته على فكرتين أساسيتين:
أ-فكرة الحرية الطبيعية للإنسان: ويرى أنصارها أن مبدأ سلطان الإرادة يقوم
من الناحية الفلسفية على اعتقاد راسخ وهو أن هناك حرية طبيعية للإنسان[2].
فالمجتمع لابد أن يقرّ للإنسان بأكبر قدر من
الحقوق وأن يكرس الحرية التي تخصه بصفة طبيعية، ومبدأ سلطان الإرادة هو أحد الأوجه
الخاصة لهذه الفلسفة العامة.
*هذه الحرية التي أقرت كمبدأ عام نشأ عنها
نتيجتان:
-من جهة الإنسان لا يمكن أن يخضع إلا
للالتزامات التي ارتضاها؛
-من جهة أخرى، كل ما يرتضيه من التزامات
تفرض عليه؛
فالإنسان كائن حر، ما يعني أنه يمكنه أن
يقيد بنفسه هذه الحرية عن طريق ما يبرمه من عقود، فلا توجد حرية حقيقية ما لم
تتضمن سلطة ذاتية لتحديدها، والإنسان الحر يستطيع أن يقيد نفسه بنفسه؛
ب-فكرة العقد الاجتماعي: يرى أنصارها أن الإنسان يقبل العيش في
المجتمع بما يفرضه عليه ذلك من حقوق والتزامات بإرادته، ولا يمكن تصور غير ذلك،
فإذا كانت الإرادة الإنسانية لها القوة الكافية لإنشاء المجتمع وما ينشأ عن ذلك من
التزامات عامة، فإنه من باب أولى أن تنشىء الإلتزامات الخاصة التي تربط بين دائن
ومدين.
ثانياً: الأفكار الاقتصادية للمبدأ.
يرى أصحابها
أن الإرادة تفرض سلطانها على المتعاقدين، وطبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية
بين الأفراد والجماعات تستدعي استبعاد أي إعاقة أمام الحرية التعاقدية تحقيقاً
للمصلحة العامة والعدالة الاجتماعية.
ويمكن
شرح رأيهم بالتطرق لفكرتين:
1-فكرة الحرية التعاقدية والعدالة: يرى أنصارها أن مبدأ سلطان الإرادة ما هو
إلا انعكاس لسياسة الحرية الاقتصادية في إطار القانون الخاص التي تأكدت في القرن
الـ18 القائمة على مبدأ "دعه يعمل دعه يمر "Laisser faire laisser aller ، والفكرة الأساسية
لسياسة الحرية الاقتصادية تكمن في السماح للأشخاص بأن يتعاقدوا كما شاؤوا (تبادل
الثروات والخدمات بمحض اختيارهم)، وهي أحسن وسيلة لقيام علاقات أكثر عدل بين هؤلاء
وأكثر فائدة من الناحية الإجتماعية، فالتزام المدين في العقد يكون نتيجة تحقيق
مصالحه، وليس هناك إنسان عاقل يرتضي إتفاقاً يسبب له ضرر، أي الالتزام الذي يرتضيه
الشخص لا يكون جائراً، ومن وجهة نظرهم فالغبن لا وجود له في العقود وصاغوا ذلك
في عبارة " من يقول عقدي يقول عادل".
2-فكرة المنفعة الاجتماعية: يرى أنصارها أن حرية المبادرات الفردية
كفيلة بأن تحقق تلقائياً الإزدهار والتوازن الاقتصادي، فقانون العرض والطلب الذي
يفترض قيام سوق المنافسة الكاملة وبالتالي الحرية الاقتصادية ليس كفيل بأن يطوع
الثمن للقيمة فحسب وإنما تطويع الإنتاج للحاجات ما يعني ببساطة أن هناك آلية
اقتصادية automatisme économique وانسجام طبيعي harmonie naturelle وهو ما جعل BASTIA يمجده في كتابه Les harmonies économiques ، ومن هذا المنطلق فالمصلحة
العامة ليست إلا مجموع المصالح الخاصة أو الفردية.
**هذه
الأفكار تتمحور حول تقديس الفرد وتكريس المجتمع لخدمته، جسدت في ميدان القانون
بمبدأ يحكم العقد، وهو مبدأ سلطان الإرادة، والذي يحكم العقد من ناحيتين:
الأولى: أن للإرادة سلطان ذاتي ما يعني أنها وحدها كافية
لإنشاء العقد أو التصرف القانوني بوجه عام، وهذه هي قاعدة الرضائية
[3].
الثانية: أن الإرادة حرة في تحديد وتعيين الآثار التي
تترتب على العقد أو التصرف القانوني.
وعليه
نستنتج أن حرية الأفراد في ظل مبدأ سلطان الإرادة هي مصدر ومنبع قوة العلاقات
التعاقدية المبرمة بينهم، إذ لا أساس للقوة الملزمة للعقد إلا بالإرادة.
الفرع الثاني:
نشأة مبدأ سلطان الإرادة.
لم
يكن مبدأ سلطان الإرادة له وجود في القوانين المستمدة من القانوني الروماني
باعتباره من أقدم وأعرق الشرائع، إلا بعد تطور طويل لاسيما اقتصار التصرف على
الإرادة فحسب، حيث كانت العقود تخضع لإجراءات ومراسيم وألفاظ يجب أن تتم وفقاً
لها، ومتى تمت هذه الإجراءات تترتب الآثار التي يقررها القانون.
فالعقد كان شكلي يستمد صحته من شكله لا
موضوعه، فجاءت القاعدة الرومانية "الاتفاق المجرد عن الشكل لا ينشىء حقاً ولا
يولد دعوى"، والسبب يرجع لتلك المرحلة من تطور الإنسان، إذ الشعوب البدائية
كان يصعب عليها إدراك المعنويات فحاولت تجسيدها في صور مادية وإعطائها شكل ملموس
ومحسوس، فكان من التصرفات الناقلة للملكية الإشهاد، فيحضر طرفان خمس شهود على
الأقل وحامل الميزان، فيقول مكتسب الملكية صيغة خاصة تفيد إكتسابه للملكية ثم يضرب
الميزان بسبيكة نحاسية ويسلمها للمتنازل عن الملكية.
ومن النتائج التي كان يفرضها أنه لا أثر
لعدم جديته أو نفاذه ولا مجال لإعمال نظرية عيوب الإرادة[4].
وبعد تطور الحضارة واتساع الرقعة الرومانية
ما أدى لتطور القانون الروماني، ونتيجة التقدم الاجتماعي وتعقد سبل الحياة وتقدم
الفكر القانوني، الذي أظهر أن الشكلية أصبحت عقبة أمام إزدهار الحياة المادية
وعائق لسير المعاملات وتبادل الأحوال والمنافع، بدأ التخلص تدريجياً والتمييز بين
الشكل والإرادة في بعض العقود، حيث ظهرت لجانب العقود الشكلية العقود العينية والرضائية
وعقود غير مسماة، فاقتصر مبدأ سلطان الإرادة على العقود الرضائية وبالتحديد أربع
عقود وهي: البيع، الإجارة، الشركة والوكالة، ليظهر في عقود أخرى عرفت بالعقود
البريتورية والعقود الشرعية، ورغم هذا لم يصل القانون الروماني حد الاعتراف
بمبدأ سلطان الإرادة وظل العقد الشكلي هو المبدأ العام.
*كذلك فالقانون الفرنسي القديم لم يتقبل
المبدأ في التعاقد دون المراسيم الشكلية، إلا أنه في القرن الـ16 أين عاش العالم LOISEL وترك مقولة:
"إن الثيران تمسك بقرونها والناس بكلامهم"، فبدأ التخلي عن شكلية
العقود بفضل القانون الكنسي والمبادىء الدينية التي قامت على التعاليم المسيحية،
والتي توجب الوفاء بالعهد وتعتبر عدم الوفاء بالعهد خطيئة دينية بصرف النظر عن
المراسيم الشكلية، بالإضافة لانتشار عدة عوامل دينية واقتصادية وسياسية كان لها
دور في هذا التحول[5].
الشريعة الإسلامية.
وقد
اعتمدت الشريعة المبدأ ويرجع هذا إلى أن القوة الملزمة للعقد في الشريعة تستند إلى
الوفاء بالعقد الذي أوجبه القرءان في قوله تعالى: "...وأوفوا بالعهد إن
العهد كان مسؤولا" (الإسراء 34)، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا
أوفوا بالعقود..." (المائدة 01)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا
إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (أخرجه أحمد في مسنده).
وعليه
فما استقر عليه التشريع الحديث لا يعدوا عن كونه مبادىء استقر عليها الفقهاء الذين
استنبطوا أحكامها من مصادر الشريعة (الكتاب والسنة...)، وخير دليل حسن النية الذي
تقوم عليه عديد الحلول القضائية والمبادىء القانونية (إنما الأعمال بالنيات،
إنما لكل امرىء ما نوى)، والمسمى حديث الأعمال.
واحترام
العهد على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات والدول في المعاهدات الدولية "...وأفوا
بالعهد" (الآية).
وفي
القرن السابع عشر (17) أصبح مبدأ سلطان الإرادة ثابت ومقرر، إذ وجد الظروف
الملائمة لذلك وخاصةً إزدهار المذهب الفردي الذي يقيم فلسفته على تكريس سعادة
الفرد باعتباره الغاية التي يسخر لها المجتمع كل إمكانياته، فالخير العام حسب هذه
الفلسفة يتكون من مجموع الأفراد.
إضافة لهذا ساعدت العوامل السياسية بنصيب وافر في ترسيخ دعائم المبدأ بسبب بسط سلطة الدولة وتدخلها في الروابط القانونية للأفراد وحماية العقود التي تتم بمجرد الاتفاق وآزر الدولة في حمايتها للاتفاقيات نظريات اقتصادية وسياسية وفلسفية التي برزت مشبعة بروح الفردية فساعدت في توطيد المبدأ وبلغت أوجها في القرن الثامن عشر، إذ كانت تنادي بضرورة وجود قانون طبيعي يقوم على أساس حرية الفرد واستغلال إرادته في الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة[6].
إضافة لهذا ساعدت العوامل السياسية بنصيب وافر في ترسيخ دعائم المبدأ بسبب بسط سلطة الدولة وتدخلها في الروابط القانونية للأفراد وحماية العقود التي تتم بمجرد الاتفاق وآزر الدولة في حمايتها للاتفاقيات نظريات اقتصادية وسياسية وفلسفية التي برزت مشبعة بروح الفردية فساعدت في توطيد المبدأ وبلغت أوجها في القرن الثامن عشر، إذ كانت تنادي بضرورة وجود قانون طبيعي يقوم على أساس حرية الفرد واستغلال إرادته في الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة[6].
لذا يقال أن القاعدة القانونية هي أبرز
تعبير عن الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي لما تحتويه من تنظيم لقطاعات مختلفة
اقتصادية واجتماعية وثقافية وفنية.
ورافق
النظريات الاقتصادية أخرى فلسفية وسياسية أجمعت الآراء ذاك العصر على حرية الإنسان
واحترام إرادته لأن ذلك يحقق مصلحة الفرد وبالتالي مصلحة الجماعة[7].
ونشير أن هذه النظريات مهدت للثورة الفرنسية
فجاء قانون نابليون مكرساً لمبدأ سلطان الإرادة.
في
القرن الثامن عشر خلص الفقهاء أن إرادة الإنسان هي التي تلزمه وهي التي تحدد مدى
التزامه، والقانون لا يتدخل في حرية الأفراد فعند انعقاد العقد تتمتع الإرادة
بالحرية التعاقدية-أي الحرية في التعاقد
أو الامتناع-، وإذا ما تم العقد
فإنه يعتبر شريعة المتعاقدين إذ لا يصوغ تعديل مضمونه إلا الاتفاق.
وهكذا
كانت مسيرة المبدأ في تدرج من عدم الاعتراف به إلى أن وصل إلى إرساء قواعده كمبدأ
في مجال العلاقات التعاقدية ليصبح في الأخير الشريعة العامة التي تبنى وتؤسس عليها
العقود.
المطلب الثاني:
النتائج المترتبة على مبدأ سلطان الإرادة.
وتترتب عليه نتائج هامة هي:
1-الإلتزامات الإرادية هي الأصل؛
2-حرية التعاقد؛
3-الحرية في تحديد آثار العقد؛
4-العقد شريعة المتعاقدين.
الفرع الأول:
الالتزامات الإرادية هي الأصل.
مفاد
هذه النتيجة أنه كأصل عام فالفرد لا يلزم إلا بإرادته، وإن كان من ضرورات وحاجات
المجتمع في بعض الأحوال أن تفرض عليه بعض الإلتزامات فإنه ينبغي كإجراء أولي حصر
هذه الحالات في أضيق الحدود، إذ لا يمكن تقرير الإلتزامات اللاإرادية إلا في
الحالات الاستثنائية لأن الفرد أعلم بما يحقق مصالحه وبالتالي تكون إلتزاماته
عادله إذا تمت بإرادته.
والواقع
أن أنصار المبدأ تطرفوا في الانتصار له عندما أقاموا أحكام القانون المختلفة على
الإرادة فحسب، بل وصلوا لنتيجة منافية للعقل والمنطق فحسبهم ليست الإرادة مجال
تنصب فيه حرية التعاقد فحسب بل هي قوام التصرف القانوني[8].
هذا يعني أن إرادة أطراف العقد هي صاحبة
السلطان الأكبر في تكوين العقد، وأن كل الالتزامات بل وكل النظم القانونية ترجع في
مصدرها إلى الإرادة الحرة، ولا تقتصر الإرادة على إنشاء العلاقة العقدية وتحديد
مضمونها وأحكامها بل تعتبر الإرادة الحرة مصدر للقانون، إذ يقول المبدأ الفلسفي "
إن العقد هو مبدأ الحياة القانونية والإرادة الفردية هي مبدأ العقد".
فالرابطة القانونية تنشأ باتفاق الإرادتين
وقوتها الإلزامية هي انعكاس لهذا الاتفاق، وانعقاد العقد يقاس على مقياس الإرادات
الفردية التي تجعل المتعاقد منفرد في حلقة قانونية مميزة ومنفصلة عن الآخرين
وينشىء داخل هذه الحلقة قانون بواسطة سلوك وحيد وهو الإرادة.
والمعنى
الصحيح والأدق لمبدأ سلطان الإرادة هو أن إرادة الإنسان يمكن أن تنشأ في مجال
التصرف القانوني الحقوق والمراكز القانونية، فالالتزامات التعاقدية لا تنشأ من
القانون بل من إرادة الأطراف في العقد، والقوة الملزمة للعقد لا تنشأ من
القانون بل من الإرادة، وكل ما تفعله السلطة العامة هو تقديم المساعدة للدائن
من أجل تنفيذ ما تعهد به له المدين.
إن
القائلين بالمبدأ يعتبرون الأفراد أحرار بحسب طبيعتهم فالحرية هي الأصل ولا يتقيد
الفرد بحسب هذا الأصل إلا بإرادته، وهذه الإرادة الفردية هي التي تحقق العدالة،
فلا يتصور أن يشكو شخص من الظلم من الالتزام الواقع على عاتقه إذا كان هو الذي
ألزم نفسه بنفسه، فالفرد هو خير من يعرف مصلحة نفسه ويدافع عنها ولا يتصور أن يعمل
ما يضر بنفسه، وإذا كان هناك احتمال لوقوع أضرار منه بمصالح غيره فإن ما يبعد هذا
الاحتمال هو تقابل وتعارض مصالح الطرفين، فكل طرف يشترط ما يكفل مصالحه
وبهذا يكون هناك توازن في العقد ولا يقع أي ضرر بأي من طرفيه.
كما
تظهر عدالة العقد في هذا المجال في العلاقات القانونية التي يرتبها العقد، فهي
بالضرورة علاقات عادلة متفقة مع القانون الوضعي لأنها متفقة مع الحرية، حيث أن
الإلتزامات التي تفرض على الشخص دون رضاه هي حتما التزامات ظالمة إذ فيها مساس
بحريته واعتداء على حقه.
الفرع الثاني:
حرية التعاقـــــــــــــــــــــــــــــــــــد.
ترسخ
مبدأ سلطان الإرادة فأصبح قاعدة أساسية تبنى عليها النظريات القانونية، فجميع
الإلتزامات والنظم القانونية ترجع في مصدرها إلى الإرادة الحرة، وهذه الإرادة لا
تقتصر أن تكون مصدر للالتزام فحسب بل هي المرجع الأساسي له، وبناءاً عليه فإرادة
الفرد في إبرام العقود لا تحتاج إلى شكل خاص وهذا هو مبدأ الرضائية، كما أن حريته
في التعاقد تشمل حريته في عدم التعاقد، فلا إجبار عليه أن يدخل في رابطة عقدية
لا يرغبها Le non vouloir ، وهو المظهر السلبي،
ونلمس ذلك في الشرط الذي يدرجه الأفراد في العقود والمخالصات تحت كل التحفظات Sous toutes réserves ، أي أن الفرد لا
يريد أن يتعرض لنتائج ضارة به لم ينصرف قصده عند التعاقد عليها.
فالعقد
هو المصدر الرئيسي لكل التزام بخصوص الالتزامات التي تنشأ عن العقود بين الأفراد،
لكن هناك التزامات مصدرها القانون قد تنشأ بطريق مباشر كالتزامات الجوار، أو بطريق
غير مباشر كالمبدأ العام في المسؤولية التقصيرية، وحتى هذه الالتزامات يمكن اعتبار
العقد هو المصدر الأصلي لها، لأن القانون الذي فرضها هو من عمل الإرادة الجماعية
وأساس العلاقات في المجتمع هو العقد الاجتماعي الذي ناد به الفقيه جون جاك روسه في
كتابه الذي يحمل نفس الإسم.
فأساس الملكية
هو حرية الأفراد وحقوق الأسرة تنشأ عن عقد الزواج، بل الميراث نفسه هو وصية
مفترضة، والعقوبات الجزائية مبررها أن المجرم قد ارتضى مقدماً أن ينال الجزاء،
وعلى ذلك يمكن القول أن الأفراد هم الذين أرادوا هذه القوانين وما ينشأ عنها من
التزامات أو عقوبات فالإرادة تعلو عن القانون نفسه ولا يظهر القانون إلا
حيث تتخلى له الإرادة عن موضع أو حيث يتعلق الأمر بالنظام العام والآداب العامة.
إذن فإرادة
الفرد وحدها كافية لإبرام العقود، وبالتالي تستطيع هذه الإرادة إنشاء الإلتزامات
العقدية دون قيد على حرية الإنسان الكاملة، ولا يحد من هذه الحرية سوى اعتبارات
النظام العام، والحالات التي تتعلق بالنظام العام يجب أن تكون قليلة أو
نادرة خاصةً أين يمكن المساس بحريات الآخرين.
والإرادة التي
يعتد بها في هذا المجال هي الإرادة التي اتجهت اتجاهاً صحيحاً وسليماً نحو
غايتها-أي الإرادة التي لم تكن مشوبة بعيب من العيوب-فالإرادة المكرهة أو التي
يشوبها غلط أو المدلس عليها لا تنشىْ عقداً صحيحاً، ويكون لصاحبها أن يتمسك بالعيب
ويبطل العقد.
الفرع الثالث:
الحرية في تحديد آثار العقد.
عندما يدخل طرفان
في رابطة عقدية يكون لهما مطلق الحرية في تحديد آثار هذه الرابطة، فلا التزام على
كل منهما إلا بما أراد الإلتزام به، فالفرد حر في أن يتعاقد وفقاً لما يريد
وبالشروط التي يرتضيها.
والعقد لا
تنصرف آثاره إلا للمتعاقدين، فالحقوق والالتزامات التي يرتبها العقد تلحق
بالمتعاقدين دون غيرهم، وهذا المبدأ له قوته الفلسفية حيث أن الفرد لا يلزم إلا
بإرادته الحرة، وبالتالي فإن العلاقة العقدية لا تلزم ولا تكسب إلا المتعاقدين.
وإذا كان
المشرع نظم طائفة من العقود، فهذا التدخل يكون عادة عن طريق القواعد المفسرة
أو المكملة لإرادة الطرفين،
وللإرادة مطلق الحرية في الأخذ بهذا التنظيم النموذجي الذي وضعته الإرادة
التشريعية، ولهم وضع تنظيمات أخرى، لذا كانت أحكام العقود المسماة مكملة لا تطبق
إلا إذا لم يتفق الأطراف على خلافها، وإن كانت فيها قواعد آمرة فهي قليلة.
الفرع الرابع:
العقد شريعة المتعاقدين.
المقصود به أن
العقد يلزم المتعاقدين كما يلزمهما القانون ولا يمكن لأي منهما الانفراد بتعديل
العقد أو إنهائه. فهو بمثابة القانون المصغر بين الأطراف ويعبرون عن هذه الحقيقة
بأن العقد شريعة المتعاقدين، فهو ملزم تماماً كالقانون بل هو من نفس طبيعته لأن
القانون عقد كبير يبرمه كل الأفراد، لذا لا ينبغي القول أن العقد لا ينعقد إلا
بإذن المشرع لأن المشرع لم يصبح سلطة عامة إلا نتيجة للعقد الذي تم بين الأفراد
وهو العقد الاجتماعي.
ويترتب عنه أن
الأفراد المتعاقدين يرتبطون بعقدهم ولا يمكنهم الامتناع عن تنفيذه إلا في
حالة القوة القاهرة أو الحادث المفاجىء وإذا امتنعوا أجبروا على التنفيذ بواسطة
السلطة العامة.
كما لا يمكن
إجراء أي تعديل فيه إلا باتفاق جديد بين الأطراف، وهذا الاتفاق ليس انتهاكاً لمبدأ
سلطان الإرادة، بل بالعكس هو إعلان لانتصار جديد لهذا المبدأ.
ويتسع نطاق
القوة الملزمة فيكون حائل دون تدخل القاضي الذي يطرح النزاع أمامه، إذ لا
يصوغ له أن يحيد عن إرادة الأطراف إذا كانت واضحة بحجة تفسير العقد أو أنها تجافي
العدالة، ولا يستطيع أن يعدل من آثار العقد ولا أن يستند إلى تغير الظروف عما كانت
عليه عند التعاقد كتغير الأسعار مثلاً ليغير هذه الآثار.
كما يلزم
العقد أطرافه والقاضي فهو ملزم للمشرع هو الآخر إذ لا يستطيع المشرع أن
يلغي شروطاً من أي عقد ولا أن يضيفها إليه إذا لم يردها أطراف العقد ولا يمس صدور
القانون الجديد بالعقود التي أبرمت قبله في ظل قانون سابق، ولا الآثار التي تمت
في وقت سابق. بل والعقد حتى في ظل قانون جديد يظل منتج لآثاره كما ينتجها في ظل
قانون سابق، فالأطراف في نطاق عقدهم هم المشرعون، ولكن على هذا المشرع الصغير أن
يستمتع بحريته في تنظيم علاقاته الخاصة مع الآخرين، دون أن يمس بذلك حرية الآخرين
فلا يجب أن يمس بغير أطرافه بترتيب التزامات وإنشاء حقوق.
المطلب الثالث:
انتقاد الأساس الذي يقوم عليه المبدأ.
ظاهر من العرض
لمبدأ سلطان الإرادة أن القائلين به وصلوا إلى حد بعيد في الغلو فيما قالوه عن
المبدأ والنتائج المترتبة عليه، لذا اشتد الهجوم عليه مع مطلع القرن العشرين،
حيث شهد كثير الانتقادات في مختلف أفكاره التي يبنى عليها خاصةً مع ظهور
المبادئ الاشتراكية، الأمر الذي أدى إلى انتكاسه وتراجعه في الكثير من العقود.
ونعرض
للانتقادات: الجانب الفلسفي، الاقتصادي، وفكرة العدالة.
الفرع الأول:
نقد الأساس الفلسفي للمبدأ.
أولاً:
نقد الفردية المطلقة.
إن الفلسفة الفردية
التي جاءت بها النظرية التقليدية لمبدأ سلطان الإرادة شهدت انتقاد لاذع من الفقه،
لأنهم أظهروا خطأ هذه الافتراضات، إذ قالوا: أن الإنسان هو كائن اجتماعي بطبعه
وأنه لا سبيل له للعيش أو تحقيق الذات إلا في كنف الجماعة، وعليه فما يتمتع به من
حقوق هي ناتجة عن كونه اجتماعي يعيش مع غيره من الأفراد، والقول بوجود حقوق
شخصية للفرد سابقة على وجود المجتمع ومصدرها الوحيد إرادته الحرة هو حديث عن العدم
وترجمة لفكرة ميتافيزيقية، والنظرية التي تقر مثل هذه الفكرة هي نظرية
ضد المجتمع Anti social ، ويترتب عليها إعلاء
إرادة الفرد على إرادة القانون. فلا وجود للحقوق الشخصية التي تنشئها الإرادة،
فطالما الإنسان يولد مديناً للمجتمع الإنساني ويستعير شخصيته من الضمير الاجتماعي،
فإن إرادته ما هي في حقيقتها إلا انعكاس للمعتقدات والتصورات الجماعية، وإذا ما
أردنا التسليم بوجود الحقوق الشخصية فإنه ينبغي استبدال ذلك المفهوم
الميتافيزيقي الخاص بها بمفهوم واقعي ينبثق من وظيفتها الاجتماعية، فالإنسان
لا يتمتع بحقوق وإنما يناط بكل فرد داخل المجتمع القيام بدور معين تنفيذاً لمهمة
معينة وإرادته هي وسيلته لتحقيق ذلك انطلاقاً من ضرورة الاعتماد الاجتماعي
المتبادل.
وإذا كان ما
يسبق يعبر عن رفض وإنكار للفلسفة الفردية، فإن هناك اتجاه معتدل يرفض تلك الفكرة
المتطرفة التي تنكر وجود الفرد لصالح المجتمع، ويعتبر هذا الأخير موجود في ذاته
وخارج عن الأفراد الذين لن يكونوا إلا من نتاجه كالأوراق أو كالأثمار تعتبر نتاجاً
للشجر.
وهذا
الاتجاه جاء كحل وسط بين مفهومين مختلفين. الأول يعتبر الحق الشخصي من خلق إرادي
بحت، والثاني ينكر بدرجات وجود حقوق شخصية للأفراد.
فالإلتزام
ينشأ من تلاقي المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية، والإرادة هي الوسيلة لتحقيق
غرض القانون الذي هو الخير العام، والإلتزام العقدي لا يمكن أن يكون له أثر
ملزم إلا إذا توافق مع مقتضيات الخير العام.
وهذا يعني أن
الإرادة ليست وسيلة للخلق القانوني إلا في الحدود التي تتوافق فيها مع هذا الهدف
الأعلى والأسمى ومع القوانين الموضوعية التي تتفرع عنها.
هذا الاتجاه
اعترف بتكريس دور الإرادة في إنشاء الإلتزام وإن كان القانون هو الذي يعترف بذلك
الأثر، فأي أثر قانوني منسوب للإنشاء الحر أو للإرادة ليس له قيمة إلا بموجب
القانون الذي أعطى للإرادة الفردية إمكانية إنتاج هذا الأثر.
فإرادة
القانون تعلو على إرادة الفرد، والإرادة هي التي وجدت لخدمة القانون وليس العكس،
فهذا الاتجاه رفض الأحادية الفردية والأحادية الإجتماعية وفضل الثنائية الضرورية
للإنسان وللمجتمع.
ثانياً:
استبدال القانون كأساس للمبدأ.
حسب النظرية
التقليدية للعقد فالعقد عبارة عن تلاقي إرادات، وأن القانون هو أساس القوة الملزمة
للعقد لأن الإرادة الحرة بذاتها جديرة بالحماية، فهدف القانون هو إنفاذ تلك
الإرادات التي هي جوهر العقد، ولكن هل هذا صحيح؟
فالإرادة هي
المشيئة أو انعقاد العزم على أمر ما. ولكن قبل ذلك فذهن المتعاقد ينصرف إلى
التفكير في ذلك الأمر وتقدير مدى صلاحيته، ولكن هذه الإرادة قد تسيء تقدير هذه
المصلحة لسبب معين أو لآخر كالسرعة
أو إتباع ميول لحظية، فإذا كان الأمر كذلك فإنها تكون ذات طبيعة متغيرة لا يمكنها
أن تلزم صاحبها حتى النهاية.
كما من الصعب
تجميد وإبقاء إرادة الفرد على نفس العزم طوال مدة تنفيذ العقد، حتى ولو نتجت عن
تقدير سليم وعن كياسة وترو.
هذا لأن الإنسان
ليس آلة بل له عواطف وأهواء وهي معرضة للتقلب تتحكم به وبإرادته، فقد تتكون لديه
بعد التعاقد إرادة أخرى تخالف الإرادة الأولى تسعى إلى تحريره من تعهداته التي
التزم القيام بها، لذلك لابد أن يكون مصدر إلزام الشخص شيء آخر غير إرادته،
وهذا الشيء هو القانون، فالقانون هو الذي يعطي للإرادة القدرة على ترتيب الأثر
الملزم للعقد، وهذا بأن يجعلها تلزم صاحبها ليس فقط لحظة الدخول في العلاقة
العقدية بل أيضاً بالنسبة للمستقبل، وهو بهذا يضفي عليها عنصر الثبات، ولهذا
فإن القانون هو أساس القوة الملزمة.
هناك من الفقه
من ينكر على القانون اعتباره جوهر العقد هو الإرادة الحرة لأطرافه، ويرون ضرورة
استبداله بقانون يعتبر الإنسان نتاجاً اجتماعياً ولد مديناً للمجتمع الإنساني.
بل ويستوجبون
تدخل القانون في العقد هذا بهدف تعطيل الأثر الضار للأنانية الموجودة في الحرية،
لذا يجب على القانون أن يقرّ أو يحظر أو حتى يفرض بعض الإلتزامات لأجل الحد أو
التخفيف من حرية الإرادة وأثرها الضار، فالإرادة لدى البعض لا تضيف ولا تثير شيئاً
من النشاط إذ أنها ليست إلا تعبير ذهني وما العقد إلا نتاج الثقة المشروعة التي
تخلق النشاط.
وعلى هذا فجوهر
العقد ليس إرادة أطرافه وإنما الثقة المشروعة والتي بسببها يجعل القانون العقد
ملزم لعدم إهدار هذه الثقة.
فالعقد
ينشأ دائماً بإرادة أطرافه ولكن القانون هو الذي يحدد لتلك الإرادة شروط ممارستها
لدورها في ترتيب الأثر،
وصحيح أنه ليس هدف القانون ضمان حرية تلك الإرادة وتحقيق سلطانها، لأن هدفه الأول
هو تحقيق العدالة ومصلحة المجتمع، وبالتالي فتلك الإرادة يجب أن تكون متوافقة مع
ممارستها لدورها مع مصلحة المجتمع، وللمشرع أن يتدخل في تقييدها بغرض حماية الطرف
الضعيف بموجب فكرة التضامن الاجتماعي.
وعليه فإن
للقانون دوره كما للإرادة دورها كذلك، والقول بانعدام الإرادة في حياة العقد هو
قول لا يجانبه الصواب، فالمتعاقد له مصلحة شخصية يريد تحقيقها من خلال إبرامه
للعقد، وللدولة غرضها وهو تحقيق المصلحة العامة ولذلك فإنها قد تعطي قوة
القانون لما اتجهت إليه إرادة الأطراف، وقيامها بذلك يعبر عن قرينة بسيطة وهي
تكافىء المصالح وتعادل القيم.
وإذا حدث وأن
انهدمت هذه القرينة بفعل الواقع أظهر عدم عدالة العقد أو إضراره بالمصلحة العامة،
فإنه لن يحوز على القوة الملزمة "فالعقد ليس شيء يحترم لذاته لأنه توافق
إرادتين..."، فهو يحترم إعمالاً للتضامن الإنساني والإتفاق الذي لا يمكنه أن
يؤدي إلى نتائج للمصلحة العامة غير جدير له بالاعتراف بالقوة الملزمة.
فالعقد ضرورة
من الضرورات الاجتماعية وهو وسيلة لتحقيق الخير العام الذي هو غاية القانون، وهو
الذي يولد القوة الملزمة للعقد، فالقانون لا يعطي الأفراد إرادة حرة مطلقة وإنما
يعطيهم حرية نسبية يحتاجها الأفراد من أجل القيام بمهمتهم في الأرض لتجميع أنشطتهم
نحو الغايات المشتركة وتنظيم دور التضامنات الاجتماعية وأيا كان ذلك بالنسبة
للجميع فإنه في الحد الأقصى مصدر للخير وفي الحد الأدنى مصدر للضرر. ومنه فإن
الإرادة ليست غاية القانون فهو لا يرتب عليها أثر ملزم تحقيقاً لسلطانها، وإنما هي
وسيلة لتحقيق الخير العام والعدالة، وهي إن لم تحقق ذلك أو بالأحرى خالفته فلا
سبيل لإعطائها الأثر الملزم.
الفرع الثاني:
نقد الأساس الاقتصادي وفكرة عدالة العقد.
بمجيء القرن
التاسع عشر وظهور الحرية الاقتصادية والتي أفرزت حرية التعاقد، جعلت للعقد قدرة في
ذاته على خلق العدالة الذاتية التي لا يمكن البحث عنها خارج العلاقة، فالشخص له
حرية التعاقد وله حرية اختيار من يتعاقد معه، واختيار شروط العقد التي يرتضيها،
والشخص العاقل الذي يتمتع بالحرية والمساواة مع شريكه ويسعى لتحقيق مصلحته، لا
تتجه إرادته إلا ما يلحق به الضرر وإنما تتجه نحو ما يحقق العدالة العقدية للعلاقة
العقدية.
والحال هذه
فإن النظرية القانونية التقليدية قد أغفلت احتمال وجود عدم تعادل من الناحية
الواقعية بين المتعاقدين، والذي في حال تحققه يتنافى معه افتراض وجود حقيقي
للاختيار الحر، والسبب في ذلك راجع إلى أنها اهتمت وحسب بالعدالة التبادلية أو
التصحيحية، ولم تهتم بالعدالة التوزيعية، فهذه الأخيرة لم تدخل ضمن
اختصاص العقود، لذا وفي إطار هذه النظرية يتركز جل إهتمام القانون في العمل على
تنفيذ العقد وإلا ترتب عن ذلك مساس بعدالة العقد.
ولكن افتراض
ملازمة العدالة للعقد الناتجة عن حرية وعدالة أطرافه، قد يكون مقبول في الزمن
الذي كانت لا تزال فيه الصناعة والتجارة تحتفظان بالطابع الحرفي والعائلي، أي
الزمن الذي كان يطغى فيه على العلاقات العقدية الطابع الشخصي، وكان
بالإمكان للأفراد عقد صفقاتهم بعد إجراء مفاوضات تسمح على الأقل بتحديد
العناصر الجوهرية للعقد، ورغم ذلك لم تكن العلاقة عادلة، إلا أن عدم
عدالتها لم تكن تتخذ الشكل المؤسسي، وبظهور الصناعات الكبيرة التي أخذت
الشكل المؤسسي أو المشروع، تغير الوضع وأدت الحرية المنادى بها لاضطرابات في توزيع
الثروة، إذ تجمعت في يد قلّة من أبناء كل دولة، ونشأت الشركات الضخمة واتحادات
المنتجين الذين تحكموا في المستهلكين وفي العمال الذين يستخدمونهم وأملوا شروطهم
على هذه الفئات. حيث لم يعد مقبول تساوي المواطنين في المركز الاقتصادي
وبالتالي حريتهم في التعاقد.
وبهذا
فالنظرية التقليدية لم تعد تتماشى مع الوضع الاقتصادي الجديد، وهذا لإغفالها
للضغوطات الاجتماعية والاقتصادية والتي غالباً ما أجبرت الشخص على التعاقد بدافع
الحاجة للحصول على السلعة والخدمة أو لتوفير مقومات الحياة المعيشية، بشروط تعسفية
غير قابلة للنقاش تقوم بوضعها الشركات واتحادات المنتجين ...إلخ، في صورة عرض موجه
للعامة، ويقتصر دور الراغب في التعاقد إما قبولها جملة وتفصيلاً أو رفضها دون أن يكون له حق مناقشتها،
وبذلك المستهلك يبقى حر من الناحية النظرية ولكن اختياره دائماً يكون مقيّد بأخذها
كلها أو تركها كلها.
واستفحل
استخدام هذه العقود على نطاق واسع إلى أن وصل بين رجال الأعمال أنفسهم، وإن وجد
مجال في هذه المعاملات للتفاوض والمساومة، إلا أن القاعدة المعمول بها هي أن معظم
الشروط لا يمكن التفاوض عليها بل تبقى مفروضة.
وعليه فالافتراض
الذي جاءت به النظرية التقليدية (حرية وتعادل المتعاقدين) وبنت عليه عدالة العقد،
هو افتراض كذبته الحقائق إذ بينت عدم تمتع أحد الأطراف بحرية التعاقد أو حرية قبول
شروط معينة، ما يؤكد عدم وجود مساواة أو تعادل بينهم خصوصاً من الناحية
الاقتصادية، وأصبحت الإرادة الحرة ليست إلا إرادة تستطيع فرض نفسها على إرادة
أخرى.
فهل يمكن اعتبار
إرادة الطرف الضعيف مصدر إلزامه؟ وأنه لم يلزم إلا لعدالة إلتزامه؟ وهل الإرادة
المقهورة والواقعة تحت ضغط الحاجة تسمى إرادة حرة؟ في هذا يقول البعض وبحق (تناغو)
"إن القول بأن توافق الإرادة هو بالضرورة عادل هو بمثابة منح ترخيص بالسلب
والنهب لقراصنة وقطاع الطرق وتبرير حقهم في الاستيلاء على كل ما تقع عليه
أيديهم".
إذن فالعدالة
لا تنشأ من العقد، وإنما العقد يتمتع بقرينة بسيطة وهو أن يلحق به العدل،
وهذه القرينة قد تتهدم أمام ما تظهره الحقائق، وهذا صحيح لأن الحرية والمساواة
المدعاة بين المتعاقدين هي مساواة إسمية تخفي وراءها عدم مساواة حقيقية،
فغالباً ما يتوصل المرء إلى أن الالتزامات لا يتم التراضي عليها بحرية وإنما هي
مفروضة من قبل الأكثر قوة على الأكثر ضعفاً وعليه فإن الإرادة الحرة لا تحقق
دائماً العدالة العقدية وبالتالي ينبغي علينا استبدال عبارة "هذا
يعتبر عادل لأنه ما أراده الأطراف" بعبارة "هذا ما يجب أن تتجه
إليه الإرادة لأنه يعتبر عادل"، وإذا افترضنا تحقيق الحرية والمساواة بين
الأطراف و إراداتهم اتجهت إلى ما هو عادل، ثم طرأت ظروف بعد إبرام العقد أدت إلى
اختلال توازن الأداءات المتبادلة بين الأطراف، فإن الأخذ بمبدأ العقد شريعة
المتعاقدين على إطلاقه سيملي على القاضي والأطراف العمل على تنفيذ هذه الأداءات حتى
ولو أحدثت ضرر كبير بأحدهم، ولكن ألا يكون الإحترام الصارم لذلك المبدأ في هذه
الحالة مخالف للعدالة؟
ومنه يمكن
استنتاج أنه لابد من وجود آلية لإعادة التوازن بين أطراف العقد، عند حدوث
ظروف تؤدي إلى اختلاله، ولا يكون ذلك إلا بتدخل القانون، وذلك بإعطاء القاضي سلطة
رقابية تمكنه من حماية الطريف الضعيف من سطوة القوي وإضراره بالمصلحة العامة.
بذلك فالمشرع
يضمن العدالة العقدية التي توصل إليها الأطراف والعدالة الموضوعية المتوافقة مع
المصلحة العامة، وإذا كانت العدالة العقدية تعني احترام الشخص لتعهده وهي في
ذلك تتطابق مع إعمال مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فإن هناك عدالة أخرى وهي
الإنصاف والتي تعني احترام القاعدة القانونية.
المبحث الثاني:
تراجع مبدأ سلطان الإرادة وتقييده.
أواخر
القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أصبح مبدأ سلطان الإرادة يعاني من القيود،
منها ما يمتد لأساسه فاهتز بشدة ما كاد يودي به، بسبب إفراطه في تمجيد الإرادة
واستخفافه بالعقل والمنطق. كما أظهر التطور الحاصل في المجتمع في شتى المجالات
الاقتصادية والاجتماعية والفكرية نقائص المذهب الفردي وما نتج عنه من مبادىء
وقواعد تحكم العقد، فقلصت هذه العوامل المبادىء التي وضعتها النظرية التقليدية
الأمر الذي دفع أصحاب المذهب الفردي للتنديد بالأزمة التي لحقت العقد في تصوره
ومبادئه، فظهر المذهب الاجتماعي الذي جاء بفلسفة جديدة تسمح بتدخل التشريع والقضاء
في العلاقات التعاقدية، حماية للطرف الضعيف في مواجهة الطرف الأقوى.
المطلب الأول:
أهم المبررات التي ساعدت في انتكاس المبدأ.
أهمها هي:
بروز المذهب الاجتماعي وتطور الفقه والقانون المقارن.
الفرع الأول:
ظهور المذهب الاجتماعي.
لقد جاء
المذهب الاجتماعي بفلسفة جديدة يقوم على أساسها العقد والمبنية على الجانب
الاقتصادي والاجتماعي، فيرى أنصاره أنه من الواجب إقامة عدالة جديدة بين أفراد
المجتمع، وهذا باقتراح تصور جديد للعلاقة الأساسية التي تربط الفرد بالمجتمع
والتي تقوم على مبادىء جديدة، حيث تسمح بتدخل التشريع والقضاء في العلاقات التعاقدية
دون الإعلان عن نهاية مبدأ سلطان الإرادة، وإنما الحد من الأعمال المطلقة له،
وحماية الفرد على حساب المجتمع، وهو ما أسماه أنصار المذهب الفردي بالأزمة التي
لحقت العقد، إضافة إلى خضوع الإرادة للنظام العام وتطور وظيفة الدولة.
أولاً:
سيادة المذهب الاجتماعي.
الذي يقيم فلسفته على الجانب الاقتصادي والاجتماعي للعلاقة
العقدية وليس على إرادة أطرافها فقط، ما أدى لظهور أزمة جديدة للعقد، إذ ساد الفقه
الفرنسي نقاش واسع حول القوة الملزمة للعقد إما بتأكيده أو برفضه متمثلاً من ثلاث
اتجاهات:
أ-الاتجاه
الراديكالي: ومن أكبر
رواده الفقيه روهات rouhette، إذ يقول:
"...العقد ليس باتفاق إرادتين،...القوة الملزمة لم تؤسس عند محرري التقنين
على احترام الإرادة ولكن على الضرورة الاجتماعية، استقرار التعهدات
العقدية،...وإعمالاً لسنة التطور الحاصل في العالم منذ 1804 اندثرت الفردانية ولم
تعد الإرادة ملزمة إلا لأنها تحت سلطة القانون."، فهذا القول يتجاهل مبدأ
القوة الملزمة ويقصي وجوده.
ب-الاتجاه
الثاني: يسميه الفقيه فرانسوا جيني Francois geny حرية البحث العلمي إذ
يؤكد على المبدأ بقوله: "...علينا الإبقاء على المبدأ مع ملاحظتنا أن قوة
الإرادة ليست مطلقة، إنها تصطدم بحقائق خارجة عنها وبضرورات التنظيم
الاجتماعي"، وهو أكثر اعتدال من الأول؛
ج-الاتجاه
الثالث: ينتقد الأساس الفردي لقوة العقد بتأكيده
على أن "...احترام القوة الملزمة للعقد قد ينتج عنه اللاعدل والقوة الملزمة
يجب أن تكون محدودة بفكرة التضامن التعاقدي أو بالنظرية الاجتماعية للعقد...إن
الرفض المعاصر لهذه النظرية هو مصدر الأزمة الجديدة للعقد وتطبيق هذه النظرية
يتطلب تدخلاً قضائياً مركزاً".
يمكن القول أن
تقديس حرية التعاقد هي التي أفرضت هذه الأزمة، وإن كان لابد من ترجيح بعض الآراء
فإنه ينصب على الرأي الثاني أو الثالث لاعتدالهما في طرح المبررات التي تجعل من
مبدأ القوة الملزمة للعقد محدود وغير مطلق، وهذا بإعطاء المشرع والقاضي سلطة
التدخل للموازنة بين المصالح الاقتصادية والاجتماعية للرابطة العقدية.
ثانياً:
محدودية الإرادة وخضوعها للنظام العام.
بظهور وازدهار
المذهب الاجتماعي انتكس المذهب الفردي وتقيدت الحرية التعاقدية وفق ما تستلزمه
مقتضيات النظام العام والآداب العامة، وهناك توافق على الاعتراف بأنه يجب أن يتمكن
المشرع والقاضي من تأمين تطابق العقد مع المصلحة العامة والنظام العام والخير
العام لأن المصلحة العامة أسمى من الحرية.
ولقد تطور
النظام التعاقدي إلى أن اتصف بالحماية حيث أنه أداة لحماية مصالح المتعاقد في
مواجهة الطرف الآخر، في عقد من شأنه أن يفرض عند انعقاده شروط تنعدم فيها حرية
التفاوض بين الأطراف، فالنظام العام يفرض عند تكوين العقد ويخضعه لشروط موضوعية
وشكلية إلزامية يقررها القانون، وإن عدم مراعاة هذه الشروط يؤدي حتماً إلى
البطلان.
والأرضية
المثلى لهذه الحماية العقدية تكون في عقد الإذعان الذي يفسر ويقرر بإرادة أحد
المتعاقدين، في حين يقف الطرف الآخر جامداً ويقتصر دوره في قبول العقد دفعة واحدة،
وهذا بالامتثال لما يقررّه ويفرضه الأول فكل تفاوض لأجل التنازل عن الشروط مستبعد.
ثالثاً:
تطور وظيفة الدولة.
أصبحت الدولة تتدخل
في الميدان الاقتصادي وتتحكم في تسييره وتوجيهه من جهة، وتتكفل بحماية الفئة
الضعيفة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً من جهة أخرى، ولقد تأثرت نظرية العقد بهذه
المهام الجديدة للدولة، فاهتمام الدولة بالميدان الاقتصادي عن طريق تسييره وتوجيهه
جعلها تتدخل في المعاملات التعاقدية، والتي يباشرها الأفراد وهذا بتقييد إراداتهم
من عدة جوانب، وعبّر عنها الفقه بتعميم العقد Publicisation du contrat ، أي أن العقد الذي
كان يجسد الإرادة الفردية أصبحت تتدخل فيه إرادة الدولة، بحيث تشارك إرادة الطرفين
في تكوينه وتحديد مضمونه.
وقد يحلّ
القانون ولو جزئياً محل إرادة الطرفين في تكوين العقد وتحديد مضمونه، وقد يستغني
المشرع في بعض الأحيان عن فكرة العقد تماماً، ومن ناحية أخرى لم يبقى العقد قاصر
على التعامل بين أشخاص القانون الخاص باعتبار المساواة والعدل التبادلي اللذان
تقوم عليهما علاقاتهم المختلفة، بل أصبح أيضاً وسيلة يتعامل بها أشخاص القانون
العام في مختلف تعاملاتهم، ويرجع هذا إلى محاسن هذه التقنية في تحقيق المصلحة
العامة.
أما تكفل
الدولة بحماية المتعاقد الضعيف اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً قد تجعل العقد يخرج
من نزعته الفردية إلى نزعته الجماعية، لذ أصبح العقد بعدما كان يعتبر مجرد شأن
للمتعاقدين دون غيرهم يهم المجتمع، فالعقد يعتبر وسيلة من وسائل الحياة الجماعية
وأداة لتحقيق النفع العام وسماها الفقه بجيمعة العقد Socialisation du contrat .
هذا التطور في
وظيفة الدولة ليس معناه القضاء على مبدأ سلطان الإرادة، بل هو تحول من مبدأ حرية
الإرادة الفردية إلى مبدأ سلطان الإرادة الجماعية، وفي هذا يقول الفقيه جوسران Jousserand : "إن العقد أخذ
يخرج أكثر فأكثر من العمل المشترك للأطراف ولم يعد اتفاقاً منعقداً في ظل الحرية
التعاقدية ومجزء بفعل الإرادة الحرة المتساوية، وأصبح موجه سواء من السلطة
العمومية أو من أحد الأطراف الذي يفرض صيغته وشروطه على الأطراف الأخرى".
الفرع الثاني:
تطور الفقه والقانون المقارن.
نتيجة
للتطورات الحديثة في الحياة العملية والقانونية سواء في المستوى الاقتصادي أو
الاجتماعي، أو على مستوى العلاقات القانونية والتعاقدية
الواسعة، وبعد تراجع مبدأ سلطان الإرادة أمام رقي ونمو التضامن والعدالة
الاجتماعية، وعدم قدرة المبادىء الكلاسيكية المنظمة للعلاقات التعاقدية على
مواكبة هذه التطورات والمواقف التي أنتجها الواقع، وتطور قانون العقود المقارن
أفرز أفكار ومبادىء جديدة جاءت لتجدد وتكيف قاعدة العقد شريعة المتعاقدين، وتسبغ
إنطلاقة عصرية للمفهوم التعاقدي وفق المعطيات الجديدة التي جاء بها الفقه، وتتمثل
في نظريتين هامتين وهما: نظرية النفع والعدل في الفقه اللاتيني، ونظرية التوقع
المعقول في الفقه الأنجلوأمريكي.
أولاً:
نظرية النفع والعدل في الفقه اللاتيني. La
théorie de l’utile et le juste
يقول الفقيه
جاك غيستان J.Ghestin : " إن
تراجع مبدأ سلطان الإرادة نتيجة لما لقيه من انتقادات، أفرز بدائل جديدة تقوم
مقامه وهذه البدائل هي النفع والعدل، ومؤدى هذا الكلام أن العقد يتمتع بالقوة
الإلزامية إلا إذا كان مقيداً، وبالحديث عن النفع فهو نوعان: أحدهما خاص يعود
للشخص بعينه، وأخرى تعود على المجتمع"، والقانون الوضعي لا يعترف إلا
بالمنفعة العامة لذا تتدخل النصوص الآمرة لفرض النظام العام وإخضاع العقد
لمقتضايته، كما هو الشأن في إلغاء الشروط التعسفية المفروضة على المستهلك لأن ذلك
يمثل إساءة المهني لاستخدامه قوته الاقتصادية، وعليه أصبح ممكناً قبول مشروعية
تبعية العقد للمصلحة العامة.
ويضيف غيستان
أن العقد أداة مهمة ومفضلة لدى الأفراد للتبادل وتحقيق المنفعة الاقتصادية
المبنية على الإئتمان والتبصر والتوقع، وهو ما يتناسب مع توجه الاقتصاد الحر
المعاصر الذي يأخذ منحى خاص في الحضارة الغربية.
ويقول الفقيه Gounot : "...يشعر
الناس بالحاجة إلى إدراك المستقبل في عمل توقعي...والحصول مقابل خدمات آنية
على منافع مستقبلية، أو مقابل منافع مستقبلية للخدمات الحالية، أما عن العدل
فإن العقد لا يكون ملزم إلا لكونه يحقق التوازن والعدالة، التي تقتضي إعادة
التوازن بين الإلتزامات والتعهدات بواسطة العدالة التجميعية أو التصحيحية.
ثانياً:
نظرية التوقع المعقول في الفقه الأنجلوسكسوني. The
théorie of reacosonable expectation
تقوم النظرية
على فكرة موضوعية جديدة وهي الثقة والتوقع المعقول والمشروع للدائن في
الالتزام، أي أن العقد عمل منطقي بين الدائن والمدين تلتقي فيه العناصر الشخصية
التي هي الإرادة والرضا، والعناصر الموضوعية التي هي قواعد التوازن والمنطق،
والمنطق في تنفيذ العقد يتطلب التنفيذ بحسن نية، وتلك هي المعقولية والمشروعية
المطلوبة التي تقابل مشروعية السبب والمعقولية أثناء مرحلة التكوين تتطلب أن يتدخل
القاضي أو المحكم أو لجان الشروط التعسفية ولجان حماية المستهلك للنظر في توقعات
المتعاقد، ومدى معقوليتها ومنطقيتها من عدمه لتصحيح عدم التوازن بين الأداءات
التعاقدية إذا كان هذا الاختلال يتعارض مع ما يقتضيه المنطق والعقل من تناسب
وعدالة.
ففي مجال عقود
الاستهلاك لم تعد تطبق القواعد العامة في عقود البيع المؤسسة على الإرادة، بل
اكتسحتها قواعد خاصة تحدد حقوق والتزامات الأطراف لحماية المستهلك، والسبب في ذلك
يعود إلى فكرة موضوعية جديدة وهي التوقع المشروع للمستهلك؛
* ولقد كانت
القوانين الغربية سباقة لتبني هذه المرونة في أحكامها خاصة القانون الفرنسي الذي
خصص 18 مادة لمسؤولية المنتج ( 1386 مكرر1-1386 مكرر18).
كما كرس القانون
المصري ولو جزئياً نظرية النفع والعدل بإسباغ المرونة على مبدأ سلطان الإرادة،
ويقول الفقيه السنهوري "...وقف التقنين الجديد من مبدأ سلطان الإرادة
موقف معتدل فلا هو انتقص منه إل حد جعله يفنى في سلطان المشرع وسلطان القاضي، إذ
لا يزال الأصل أن الإرادة حرة تحدث من الآثار القانونية ما تتجه إلى إحداثه، ولا
هو تركه يطغى فيستبد بإنشاء العلاقات القانونية وتحديد آثارها دون النظر إلى
المصلحة العامة ومقتضيات العدالة".
أما
المشرع الجزائري فقد تأثر هو
الآخر بهذا التطور وذلك من خلال اتساع مجال العلاقة العقدية بين المتعاقدين، فبعد
أن كانت العلاقة في الفكر التقليدي لا تتعدى أطراف العقد وأن الالتزامات الناشئة
عن العقد هي التي تلزم الجانبين دون سواها، فإن القضاء الجزائري سعياً منه لتوفير
الحماية الأمثل للطرف الضعيف فقد حد من تطبيق مبدأ الأثر النسبي للعقد، الذي يجيز
للمتعاقد الرجوع إلا على الطرف المتعاقد معه حيث أصبح مقرر لصالح الضحية دعوى
مباشرة ضد المنتج حتى لو لم تربطه بالمتضرر علاقة تعاقدية (140 مكرر ق.م).
ولقد اعتمد
المشرع هذه الاتجاهات القضائية في إحداث وإصدار تشريعات خاصة لصالح الضحايا، منها
ما يتعلق بحماية المستهلك ويظهر هذا من م 140 مكرر (05-10 /20 يونيو 2005).
إضافة
لهذا فقد رتب القضاء التزامات عدة على عاتق البائع منها الإلتزام بالإعلام أو
الإلتزام بالإفضاء أو الإلتزام بالتبصير والإلتزام بالسلامة...إلخ، حيث اعتبرها
القضاء من بين الإلتزامات المتعلقة بطبيعة العقد.
المطلب الثاني:
تقييد مبدأ سلطان الإرادة.
التطورات التي
حصلت دفعت المشرع للتدخل في نطاق العلاقات العقدية بقصد إقامة التوازن وحماية
الطرف الضعيف، كالمستأجرين والعمال ومحاربة الاستغلال والغبن وبهذا طرأت تغيرات
على القواعد التي تحكم العقد:
الفرع الأول:
القيود على حرية التعاقد وعدم التعاقد.
إذا كان منطق
سلطان الإرادة يقتضي حرية الفرد في التعاقد وعدم التعاقد، فإنه وردت قيود على هذه
النتيجة: ففي نطاق انعقاد العقد يتجه كل من الفقه والقضاء إلى تقييد الحرية التعاقدية
أكثر فأكثر، ولجأ في سبيل هذا إلى طريقتين:
الأولى: إعطاء معنى واسع لفكرة النظام العام أو
الآداب العامة، وهو أمر وارد بطبيعة الحال حيث هما فكرتان تتسمان بالمرونة إذ
القانون لم يضع تعريف جامد لهما.
الثانية: تتلخص أن كل من الفقه والقضاء يتجهان على
عكس ما هو مستقر تقليدياً لتطبيق فكرتي النظام العام والآداب العامة، فحرية
التعاقد تجد قيد أخطر في النظام العام والآداب العامة، فإذا ما أبرم عقد مخالف
لهما يكون باطل بطلان مطلق، وهو قيد قديم نص عليه في المادة 06 من المجموعة
المدنية الفرنسية.
ولما كانت
فكرة النظام العام نسبية ومتطورة فنجد في الوقت الحاضر توسع كبير في نطاقها خاصةً
كلما ساد الإتجاه الاشتراكي في الدولة يزداد النظام العام اتساع.
إذن من المقرر
قانوناً أنه إذا كان محل أو سبب الالتزام مخالفين للنظام العام والآداب العامة كان
العقد باطل بطلان مطلق (المحكمة العليا في 26 جانفي 1987 / 44571): "لما كان
من الثابت في قضية الحال أن أساس دعوى الطاعنة يتعلق بعقد التخلي لها نهائياً عن
البنت دون أن توجد أي قرابة سواء من النسب أو المصاهرة تربطها بأبوي البنت، فإن قضاة
الموضوع بقضائهم بإرجاع البنت إلى والديها طبقوا صحيح القانون".
وقرار ( في:
12 مارس 1997/ 144108 ): "حيث مما لاشك فيه أن التعامل في الجزائر بين
جزائريين بالعملة الصعبة خارج الإطار الرسمي الجاري العمل به طبقاً للقوانين
السارية في مجال النظام النقدي قد يكون مخالف لتلك القوانين وبالتالي فهو يمس
بالنظام العام، حيث أن العقود التي يكون محلها مخالف للنظام العام تعتبر باطلة
بطلان مطلق، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، وعليه فالوجه المثار غير سديد ويترتب
عليه رفض الطعن".
كما أن حرية
عدم التعاقد قد قيدت هي الأخرى فظهرت صور للعقود الجبرية التي يجبر الشخص على
إبرامها فقد يلزم بها تحت طائلة العقوبات الجزائية والمدنية، كما في التأمينات ( م
01 من الأمر 74-15 مؤرخ في 30 جانفي 1974 المتعلق بإلزامية التأمين على السيارات
ونظام التعويض عن الأضرار)، وقد يجبر الشخص على التعاقد مع شخص معين كما هو الأمر
في حالة الإحتكار بالنسبة للمحتكر.
كما قد يحرم
الشخص من بعض العقود كما هو الحال في احتكار الدولة للتجارة الخارجية (سابقاً)،
وهذه الحقوق تتعلق بالحرية الأولية (الأساسية) أي حرية إبرام العقد أو الامتناع.
أما القيود
الواردة على الحرية الثانوية تتمثل في ثلاث مجالات رئيسية هي: فرض المتعاقد معه (بالنسبة
للمستهلك حال الاحتكار)، فرض شكل معين للعقد (العقود الشكلية)، تنظيم مضمون العقد
(عقد العمل).
الفرع الثاني:
تقييد حرية تحديد آثار العقد.
كان من بين
تأثير الأفكار الاشتراكية أن قامت القوانين بتحديد آثار بعض العقود بقواعد آمرة،
ومن أهمها عقد العمل الذي حددت فيه التزامات وحقوق كل طرف وهو العامل ورب العمل
تحديد يكاد يكون شبه كامل، حيث نصت المواد 05 و06 من الباب الأول من مدونة العمل
على حقوق العامل وفي المادة 07 على واجباته. كما نصت المواد من 15 إلى 21 على شروط
التشغيل وكيفياته، والمواد من 27 إلى 29 على المدة القانونية للعمل...إلخ، كل ذلك
سعياً من المشرع لتوحيد النظام التعاقدي في مجال عقد العمل، بشكل لا يدع مجال للشك
أو التأويل.
وفي عقد
الايجار تضمنت القوانين تنظيم علاقة المؤجر بالمستأجر حيث أن القانون المدني يعتبر
عقد الايجار عقد شكلي بعدما كان رضائي، فبدأ المشرع بموجب مرسوم 93-03 / 01 مارس
1993 المتضمن النشاط العقاري. كذلك الرسمية المقررة في بعض العقود تحت طائلة
البطلان.
وفيما يتعلق
بالعقد شريعة المتعاقدين فقد أجازت القوانين الحديثة تدخل المحاكم في كثير من
الحالات لتعديل بنود العقد ومراجعة شروطه، إذ أصبح أمر مألوف قصد تحقيق هدفين:
أ-تجنب عدم
العدالة التي تنشأ من المساس بالشروط الأولية أو الواردة في العقد في حالة ارتفاع
الأسعار، فعدم العدالة اللاحقة للتعاقد لا تقل شأناً عن عدم العدالة المحققة من
وقت إبرام العقد.
ب-كما أن
تعديل العقد قد يقصد به تحقيق المصلحة العامة تحقيقاً لمقتضيات السياسة
الاقتصادية، فقد يتدخل المشرع لتخفيض الأداءات المالية المتفق عليها ليس لأن
الأسعار قد انخفضت ويراد إعادة التوازن بين الأداءات بل لأن المشرع يهدف من تخفيض
الأسعار إلى تحقيق سياسة محاربة الانكماش، وهو ما جسده المشرع في المادة 107 /03
ق.م إذ يخول للقاضي سلطة إعادة النظر في التزامات أحدهما وهي نظرية الظروف
الطارئة.
والمادة 110
ق.م تخول تعديل الشروط التعسفية في عقود الإذعان.
الفرع الثالث:
اتساع نطاق الإلتزامات الإرادية.
الأصل العام أن
للأطراف مطلق الحرية في تحديد مضمون العقد، أي أنهم أحرار في تحديد حقوقهم
والتزاماتهم الناشئة عن العقد، لكن كثيراً ما يغفل الأطراف بعض العناصر الأساسية
في عقودهم فيكون العقد ناقص، وطبق نظرية سلطان الإرادة لا أثر لهذا العقد الناقص
لأنه لا يمكن تكملة النقص بغير إرادة الأطراف، فإذا أغفل في عقد عمل تحديد أجر
العامل فهذا العقد لا أثر له في نظر مبدأ سلطان الإرادة بينما يلجأ القضاء في هذه
الحالات للبحث عن الشروط المتعامل بها في السوق وإلى العادات الاجتماعية لتحديد
هذا الأجر، وهذا ليجعل لإرادة الأطراف قيمة بدل إهدارها نهائياً، وواضح أن هذه
العناصر التي يبحث عنها القضاء هي غريبة عن إرادة المتعاقدين، وهو ما يفرضه المبدأ
الذي يلزم المتعاقد بتنفيذ العقد طبق ما اشتمل عليه وبحسن نية ( م107 /01/02 ق.م):
"يجب تنفيذ العقد طبق ما اشتمل عليه وبحسن نية ولا يقتصر العقد على إلزام
المتعاقد بما ورد فيه فحسب بل يتناول أيضاً ما هو من مستلزماته وفقاً للقانون
والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام".
كما هناك
التزامات لا إرادية تنشأ عن مصادر غير تعاقدية، منها الإلتزامات الناشئة عن الفعل
الضار. والتزامات يفرضها القانون، فتطور نظام المسؤولية نتيجة ظهور الثورة
الصناعية وانتشار استخدام الآلات الخطيرة في المجتمعات الحديثة فبعد أن كان
الإلتزام بالتعويض مبني على أثبات الخطأ أصبح ثبوت الخطأ من جانب المسؤول.
خاتمة.
يمكن القول أن
مبالغة أنصار مبدأ سلطان الإرادة في تأييده، ومناداتهم بالإرادة أساس لجميع أنواع
الحقوق والنظم القانونية، أدى إلى مبالغة المعارضين له في الحط من شأنه لدرجة
إنكارهم أن تكون الإرادة أساس لأي حق أو نظام.
والحقيقة
فمجال الإرادة يتوسط هذين الطرفين وهو ما نادى به المعتدلون الذين انتصروا للمبدأ
لكنهم وقفوا به عند الحدود المعقولة، فلا هم انتقصوا منه إلى حد جعله يفنى في
سلطان المشرع وسلطان القاضي، ولا هم تركوه يطغى فيستبد في إنشاء العلاقات
القانونية وبتحديد آثارها دون نظر إلى المصلحة العامة ومقتضيات العدالة.
فالاعتدال يقتضي
ألا يكون للإرادة سلطان في نطاق القانون العام باعتبار قواعده تتصل بالمصلحة
العامة فقط.
أما في نطاق
القانون الخاص فدور الإرادة محدود في قضايا الأحوال الشخصية، فإذا كان له دور كبير
في تكوين عقد الزواج إلا أن هذا السلطان يخبو في نطاق تحديد الآثار القانونية التي
تترتب على هذا العقد، ويستقل القانون بذلك ابتغاء حماية المصلحة العامة.
أما بالنسبة
للمعاملات المالية فللإرادة دورها الهام وإن كانت في الحقوق العينية أقل منها في
الحقوق الشخصية، لأن الحقوق العينية محددة في القانون على سبيل الحصر، أما الحقوق
الشخصية فالإرادة هي قوام التصرف القانوني وإن كان يقوم بجانبها مصادر أخرى غير
إرادية كالعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون.
ومن حيث
القيود الشكلية نشير لتلك المتعلقة بالعقود ذات الشكل الرسمي وبقواعد الإثبات،
وبالعقود النموذجية، فالعقود ذات الشكل الرسمي يتطلب إنشاؤها تدخل موظف عام مختص
مهمته تنظيمها وكتابتها وتسجيلها في سجل خاص، ومنها العقود المتعلقة بالعقار وكل
ما يتعلق بإنشائها أو نقلها أو إعلانها وتعديلها وإبطالها، فهذه الأعمال لا تكون
تامة حتى بين المتعاقدين إلا من يوم تسجيلها وفق الأصول المقررة في السجل العقاري
ومن بينها: الوعد بهبة، عقد الضمان، عقود الايجار للعقارت، الشركة والوكالة.
كما وضع
القانون أصول خاصة بقواعد الإثبات كعدم قبول البينة الشخصية في إثبات الدعاوى التي
تزيد عن 100.000 دج.
أما العقود
النموذجية كعقد العمل الجماعي الذي يبرم بين نقابات العمال وأرباب العمل ويسري على جميع أشخاص المهنة حتى
الذين لم يشتركوا فيها، تختص هذه العقود بأحكامها لأنها تمثل رأي الأغلبية من
أصحاب المصلحة المشتركة تسري على الأقلية التي لم توافق عليه، ولهذه الفكرة
تطبيقات تشريعية تتجلى في أحكام الصلح الواقي من الإفلاس.
وتتقيد
الإرادة كذلك في مجال الإلتزامات التعاقدية بالقيود الناتجة عن فكرة النظام العام
والآداب العامة. فأي اتفاق يخالف النظام العامة والآداب العامة باطل بطلان مطلق،
كما قيد من سلطان الإرادة عند تكوين العقد حيث وسع من نطاق الغبن وحوله من نظرية
مادية إلى نظرية ذاتية، وعند تنفيذ العقد فجعل نظرية الحوادث والظروف الطارئة سبب
لتدخل القاضي في تعديل الالتزام.
فمبدأ سلطان
الإرادة أو مبدأ حرية التعاقد في إنشاء التصرف وتحديد آثاره مازال يمثل القاعدة
الأساسية في التعاقد وإن كانت ترد على هذه القاعدة قيود تزايدت في الوقت الحاضر
عما كانت عليه في الماضي بسبب تطور الأفكار والنظريات الاجتماعية وضرورة حماية
الطرف الضعيف في التعاقد.
[1] : المرجع: سلطة
القاضي في تعديل الالتزام التعاقدي وتطويع العقد، حدي لالة أحمد (إشراف الرايس
محمد).
[2] : ونشير أن القاعدة القانونية كان لها ارتباط
وثيق بالفلسفة التي سادت في القرن الثامن عشر التي تقوم على تأكيد ما للأفراد من
حقوق في مواجهة الدولة، وما أدى للإعلان عن حقوق الإنسان.
[3] : إن مبدأ
سلطان الإرادة ينبغي عدم اختلاطه بمبدأ آخر، سائد كذلك في نظرية العقد، وهو مبدأ
الرضائية Le
principe de consensualisme ؛ ذلك أن هذا المبدأ الأخير لا يتصل إلا يطريقة
تكوين العقد، ولا علاقة له بتحديد مضمون الالتزامات العقدية ونطاقها ومداها، وإنما
المقصود منه أن التراضي وحده كاف لانعقاد العقد، فينشأ العقد بمجرد تطابق
الارادتين، أيا كانت طريقة التعبير (بلحاج
العربي، ص 60).
[4] : لم يكن
القانون الروماني معني في بادىء الأمر باعتبارات العدالة لما يكون التصرف مشوب
بغلط أو إكراه أو تدليس أو كانت الإرادة معدومة، أو كان الغرض قد تخلف أو غير
مشروع، ولكنه طبق فكرة الإثراء للتخلص من التصرف الصحيح شكلاً والذي يخفي إرادة
معيب وأصبحت هي الدعوى التي يرد بها المدين ما دفع وتسمى condectio indibiti ، وله دعوى يتحرر بها من التزامه
إذا لم ينفذ الآخر التزامه وهي condictio sine cause وتدخل قانون الشعوب لصالح المدين
بوسيلة أخرى وهي الدفع بالغش.
أ-العامل الديني: فكان المتعاقد إذا أقسم
على احترام عقده نشأ التزامه وكان عدم الوفاء بالعهد خطيئة والحنث باليمين خطيئة
أكبر يعاقب عليها؛
ب- عامل إحياء القانون الروماني وما وصل إليه من تطور في موضوع الإرادة،
ج-العامل السياسي: تدخل الدولة وبسط نفوذها وحماية الروابط القانونية بين الأفراد،
د-العامل الاقتصادي: إزدهار النشاط التجاري استلزم إزاحة الأشكال المعرقلة.
[6] : حيث نادى
الفيزوقراطيون Physiocrates بالحرية الاقتصادية داعين لحرية الناس في نشاطهم
الاقتصادي، والمنافسة في العرض والطلب لأن من شأنه خلق الاستقرار في المجتمع أكثر
مما لو تحكم المشرع في الحياة الاقتصادية، أي أن الإرادة وحدها هي من يجب أن تتحكم
في الميدان الاقتصادي، وأن العقود لا تخضع في تكوينها وفي الآثار التي تترتب عليها
إلا لإرادة المتعاقدين.
[7] : هذه النظريات
حمل لواءها الفقيه روسو في مؤلفه نظرية العقد الاجتماعي، فالنظام الاجتماعي يرتكز
على الفرد والقانون يحمي الفرد وليس الجماعة، والفرد لا يستكمل شخصيته إلا بالحرية
التي تتمثل في الإرادة الحرة المستقلة.
[8] : يقولون شبه
العقد يقوم على إرادة مفروضة والجريمة وشبه الجريمة تقومان على الإرادة، وكذلك حق
الملكية وحقوق الأسرة المبنية على عقد الزواج الذي تحكمه الإرادة، والإرث يستند
إلى وصية مفترضة وهي عمل إرادي، وطرق التنفيذ الجبري هي أيضاً تستند إلى الإرادة
لأن المدين قد ارتضاها عند التعاقد، حتى أن العقوبة الجنائية ترجع إلى الإرادة
لارتضاء المجرم مسبقاً لانزال العقوبة به، وحتى القانون هو عبارة عن إرادة ارتضاها
الناس بأنفسهم أو بواسطة ممثليهم فاختاروا الخضوع لسلطانه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق