//]]> -->

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

الأحد، 17 يونيو 2018

الباحث الثانوني | ملخص حول ركن الرضا- الجزء الثاني (صحة التراضي)



صحـــــــة التراضــــــــــي.
صحة الرضا شرط من شروط العقد والعبرة فيه بسلامة رضا المتعاقد من العيوب وهي: الغلط، الإكراه والتدليس، كما أدرج المشرع حالة جديدة هي الغبن الاستغلالي.

المطلب الأول:
الغـــــــــــــلـــــــــــط.
الغلط هو وهم يقوم في ذهن الفرد يجعله يعتقد أشياء على غير حقيقتها، فهو تصور خاطئ للأمور والأشياء، حيث يتبين للشخص أن للشيء مواصفات معينة إلا أن الحقيقة غير ذلك.
والغلط أنواع متفاوتة: منها ما يؤثر على سلامة الرضا، ومنها ما هو دون ذلك، ويميز الفقه بالنسبة للغلط الذي يتأثر به رضاء المتعاقدين بين الغلط المانع والغلط المعيب للرضا.
فالغلط المانع يحول دون تحقيق تطابق الإيجاب والقبول، فيمنع قيام العقد، وقد يقع هذا الغلط في ماهية أو طبيعة العقد كأن يعطيه نقود على سبيل القرض فيظنها هبة، وقد يتعلق بمحل العقد كأن يبيعه سيارة ويعتقد أخر، وقد يتصل بسبب العقد كالوارث الذي يتفق مع موصى له على قسمة شائعة ثم يتبين بطلان الوصية، ويترتب على هذه الصور البطلان المطلق للعقد لأنه منعدم الوجود، إذا لم يتحقق تطابق الإيجاب والقبول.
أما الغلط المعيب فهو أقل درجة من المانع، حيث يكون القبول مطابق للإيجاب لأن رضاء المتعاقد غير صحيح فهو لم يكن على بينة من أمره ولولا الاعتقاد الخاطئ الذي وقع فيه لما أبرم العقد، ويترتب على هذا النوع من الغلط البطلان النسبي، أي قابلية العقد للإبطال.
عالج المشرع الغلط في المواد من 81 إلى 85 الغلط الجوهري .

الفرع الأول:
مفهوم الغلط الجوهري.
1-مواصفات الغلط الجوهري: أ يكون غلط جسيم ومؤثر.
أ-غلط جسيم.
من البديهي ألا يعتد بأي غلط مهما كانت أهميته لأن هذا ينال من استقرار المعاملات واستحقاق الحماية يكون لأمر جدي، فالتجاوزات البسيطة بين الأفراد والتي تنتج عنها بعض التجاوزات أو التعسفات يعتبرها القانون من الأمور العادية والمقبولة مادام المتعاقد يتمتع بأهلية كاملة فهو يتحمل بعض نتائج تصرفاته التي قد ترجع للصدفة أو التقصير أو الإهمال لاسيما أن حمايته قد تكون على حساب المتعاقد الثاني الذي لا يد له في ذلك ما يؤثر على استقرار المعاملات، لذا يجب أن تكون الاعتقادات التي تحمل على التعاقد جسيمة، م 82 ق.م "يكون الغلط جوهرياً إذا بلغ حداً من الجسامة"، والغلط الجسيم هو ذلك الذي يبلغ درجة من الخطورة والأهمية تستدعي تدخل القانون لحماية الضحية، أما تقدير درجة الجسامة فهو أمر نسبي، ويظهر من المادة 82 ق.م "يكون الغلط جوهري إذا بلغ حدا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط..." أن المشرع أخذ معيار ذاتي، فالعبرة بنفسية المتعاقد والنتائج المترتبة عن هذا الاعتقاد الخاطئ.
ب-غلط مؤثر.
فيكون هو الدافع لإبرام العقد وأنه كان وراء وتصميم وعزم المتعاقد على إنجاز العقد، فالعبرة بسلامة الرضاء فيجب أن يكون الغلط هو السبب الرئيسي والوحيد الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد، وبمفهوم المخالفة، إذا لم تكن الاعتقادات الخاطئة هي الدافع الرئيسي للتعاقد فإنها لن تنال من سلامة الرضا كما أشارت المادة 82 فقرة 03 ق.م: "...إذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته وكانت تلك الذات أو الصفة السبب الرئيسي في التعاقد.".
صور الغلط الجوهري.
تناول المشرع في المادة 82 فقرة 02 و03 ق.م صور الغلط الجوهري، فذكر على التوالي: الغلط في صفة الشيء والغلط في ذات المتعاقد، واستلهم المشرع هاتين الصورتين من المشرع الفرنسي الذي لا يعتد إلا بالغلط في صفة الشيء، ويعتد استثناء في الغلط في ذات أو صفة المتعاقد.
-الغلط في صفة الشيء التي يراها المتعاقدان جوهرية؛
-الغلط في ذات أو صفة المتعاقد إذا كان محل اعتبار؛
-الغلط في القانون؛
-الغلط في الباعث؛
-الغلط في القيمة.

الغلط في الباعث.
طرح مشكل الغلط في الباعث مع ظهور النظرية الحديثة في السبب، حيث يختلط الغلط في السبب بالغلط في الباعث، فأصبح شيء واحد في حين يترتب على كل منهما جزاء معين، فالغلط في السبب يجعل العقد باطلاً، أما الغلط في الباعث فيجعل العقد قابل للابطال، وتمت معالجة هذا الوضع في التشريعات بطرق مختلفة.
في القانون الفرنسي طرح الإشكال عندما هجر الاجتهاد القضائي الفرنسي المعيار الموضوعي للغلط واعتمد المعيار الذاتي الذي يتطلب البحث في نفسية المتعاقد، وما إذا كانت الاعتقادات الخاطئة هي الدافع للتعاقد، ولكن هذا لم ينعكس على موقف الاجتهاد الفرنسي الذي بقي متمسك بالمجال التقليدي للغلط، متجاهلاً الغلط في الباعث، كونه أمر خارجي عن دائرة التعاقد ولا علاقة له بالحالتين اللتين تمثلان دون غيرهما محل الغلط: الصفة الجوهرية أو ذات أو صفة المتعاقد، ولا يعتد بالغلط في الباعث إلا في حالتين:
-إذا كان متصل بالصفة الجوهرية في الشيء؛
-إذا جعل منه المتعاقدان شرط من شروط العقد.
المشرع الجزائري يبدو قد أخذ نفس موقف المشرع المصري حيث نقل عنه المادة 81 المتعلقة بالغلط والمطابقة للمادة 121 مدني مصري، ونقل كذلك المادتين 136، 137 مصري الموافقة للمادتين 97 و98 ق.م.ج التي تعالجان السبب، ويظهر أن المشرع أخذ أيضاً بالنظرية الحديثة للسبب، إذ نصت المادة 97 ق.م أنه: "إذا لتزم المتعاقد لسبب غير مشروع أو لسبب مخالف للنظام العام أو للآداب العامة كان العقد باطلاً"، يفيد هذا الحكم أن الغرض من ركن السبب هو مراقبة مشروعية المعاملات وليس وجود السبب، فالغلط إذن في الباعث أو في السبب بمفهوم النظرية الحديثة يخضع لنظرية الغلط الجوهري دون سواها، مما يجعل العقد قابلاً للإبطال.
الغلط في القيمة.
لم يقيد المشرع مجال الغلط واشترط فقط أن تكون الاعتقادات الخاطئة أيا كان محلها أو فحواها هي الدافع للتعاقد لذا قد يكون ثمن المبيع هو السبب الرئيسي الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد، ولا شك أنه وقع في غلط جوهري لم يتبين ارتفاع الثمن ولو علم بحقيقة الثمن ما أقدم على عملية الشراء، ورغم منطقية الحل نشك في صحته لاسيما وأن المشرع لم يأخذ بالغبن كقاعدة عامة تطبق على كل العقود، ولم يهتم بالتفاوت الذي قد يوجد بين الالتزامات، لقد استحدث المشرع حالة الاستغلال ولكن يلاحظ من خلال المادة 90 ق.م أن المتعاقد لا يستفيد من الحماية القانونية لمجرد أن التزاماته غير متعادلة مع التزامات الآخر، بل يجب أن يكون هذا التفاوت بين الإلتزامات ناتجاً عن استغلال طيش أو هوى المتعاقد المغبون، وهذا ما يجعل التردد في الاعتداد بالغلط في القيمة.
*الغلط المادي لا يؤثر في صحة العقد ويجب تصحيحه.
المطلب الثاني:
التدليـــــــــــــــــــــــــــس.
وتناولته المادتان: 86 و87 ق.م، وعرفه الفقه أنه حيل يلجأ إليها المتعاقد لإيقاع المتعاقد معه في غلط يدفعه للتعاقد، فهو غلط مستثار أي مدبر، لذا يكون العقد قابل للإبطال ليس للتدليس في حد ذاته وإنما للغلط الذي أوقع فيه المتعاقد.
عناصر التدليس: عنصر مادي ومعنوي.
1-العنصر المادي.
وهو الوسائل المختلفة التي تستعمل لتضليل المتعاقد ودفعه لإبرام العقد، ولا تقتصر المادة 86 على الحيل المختلفة والكذب بل تشمل كذلك حالات السكوت العمدي أو الكتمان.
-الحيل هي شتى الأعمال والوسائل التي يستعين بها المدلس لإخفاء الحقيقة عن المدلس وإيقاعه في الغلط كوثائق مزورة أو شهود زور أو انتحال صفة أو ينزل في فندق أو سيارة فخمة...
-الكذب وهناك الكذب المباح والقبيح dolus bonus  وتدليس حسن dolus malus ، وللتدليس القبيح فيجب أن يبلغ درجة من الخطورة والجسامة، ويرجع التقدير في كل الأحوال للقاضي.
-السكوت العمدي (الكتمان): ونصت المادة 86 فقرة 02 ق.م : " ويعتبر تدليساً السكوت عمداً عن واقعة أو ملابسة إذا أثبت المدلس عليه ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة"، وهذا الحكم مستلهم من القضاء الفرنسي، حيث لم يكن يعتد بالإعلام.
يرى أصحاب المذهب الفردي (سلطان الإرادة) أن الشخص المتعاقد لا يلزم إلا بإرادته، وهو أهل للدفاع عن نفسه وحماية مصالحه، ومن ثم لا يعتبر السكوت العمدي تدليس، والصحيح وأنه يتعين على المتعاقد أن يحتاط بنفسه عند إقدامه على إبرام العقد، كأن يقوم بالتحريات اللازمة لاسيما المعروف والمألوف بين الناس كأن البائع لا يذكر إلا محاسن سلعته ويسكت عن عيوبها.
وما لم يتفطن المتعاقد لكل هذا فيتحمل مسؤولية تهاونه.
ويظهر أن المشرع لم يبق سجين أفكار المذهب الفردي بعدما أصبح التحلي بحسن النية ضرورة في المعاملات واستدعت بعض العقود كالتأمين تعاون المتعاقدين في مرحلة تكوين العقد وتنفيذه، ففرض المشرع الإلتزام بالإعلام إذ يصبح الإخلال به أي الكتمان تدليس، وهو ما قضت به المحكمة العليا في 22 جويلية 2010 من أنه يقع على البنك قبل توقيع إتفاقية القرض التزام بإعلام المقترض أنه بإمكانه الحصول على دعم مالي من الصندوق الوطني للسكن، ولما أخلّ البنك بهذا الإلتزام بالإعلام، يكون قد أوقع المقترض في غلط جوهري (والصحيح تدليس) الأمر الذي يبرر إبطال الاتفاقية.
ويكون السكوت العمدي كلما أخل المتعاقد بالإلتزام بالإعلام والإفضاء الذي يتحمله بموجب القانون والاتفاق في مرحلة تكوين العقد، ويلتزم المدين في الالتزام بالإعلام وهو أحد طرفي العقد بتقديمها للآخر لإمكانه إعطاء رضا صحيح ومتبصر.
ويتحمل بموجب المادة 86 فقرة 02 ق.م الطرف الذي يملك معلومات حول العقد المزمع إبرامه التزام عام بالإعلام كلما كانت الواقعة التي يجهلها الآخر مؤثرة أي محددة لرضاه، وتعذر عليه التعرف أو الإطلاع عليها بمفرده لسبب مشروع.
ويعتبر الكتمان تدليس بتوافر ثلاث شروط:
-أن يتعلق الأمر بواقعة أو ملابسة مؤثرة؛
-أن يكون المدلس يعلم بها؛
-أن يكون المدلس عليه يجهل هذه الواقعة ولا يستطيع العلم بها عن طريق آخر غير إفضاء المتعاقد.
كما يتحمل المهني أو الأخصائي التزاماً بالإفضاء في تعامله مع من لا خبرة له، فبموجب قانون 09-03 " يجب على كل متدخل أن يعلم المستهلك بكل المعلومات المتعلقة بالمنتوج الذي يضعه للاستهلاك بواسطة الوسم ووضع العلامات أو بأي وسيلة أخرى...".
ولكن إذا كان الكتمان يعتبر تدليس بموجب المادة 86 ف 02 ق.م يترتب عليه البطلان النسبي للعقد، فالمادة 17 / ق 09-03 أغفلت الجزاء المدني في حين أن المادة 78 قانون 09-03 تنص أن: "يعاقب بغرامة...كل من يخالف إلزامية الوسم في المادة 17 و18"، ويفيد تجريم الإخلال بالإلتزام بالإعلام عن طريق وسم المنتوج أن القاعدة من النظام العام، ومن ثم يترتب على مخالفتها البطلان المطلق للتصرف القانوني مع العلم أنه لكل ذي مصلحة أن يتمسك به، ففي هذه الحالة فبطلان التصرف قد لا يخدم مصلحة المستهلكين في حين أن الغرض من القاعدة هو حماية هؤلاء فتلحق بالنظام العام الاجتماعي الذي يتميز من حيث الجزاء عن النظام العام السياسي أو الاقتصادي التوجيهي، ففي هذا النوع الأول يمكن مخالفته بالزيادة في الحقوق محل الحماية ويمكن للطرف المحمي التنازل عن الحماية عند اكتسابه للحق، كما يترتب على مخالفة الشرط للنظام العام الاجتماعي بطلان الشرط دون العقد، وحلول حكم القانون محل الشرط الباطل، وعلى ضوء هذه الإعتبارات يمكن للمستهلك دون غيره التمسك بإبطال العقد كونه وقع في تدليس نتيجة إخلال المتدخل بالتزامه بالإعلام مع طلب تعويض وله أن يتمسك بالعقد مع المطالبة بالمسؤولية المدنية للمتدخل.
2-العنصر المعنوي.
وهو نية التضليل والخداع عند المدلس، فيكون الغرض من الحيل المستعملة هو خداع المدلس عليه وإيقاعه في الغلط ما يدفعه للتعاقد، فالتدليس خطأ مدني يقتضي إدراك المدلس وإنصراف غايته إلى تحقيق غاية غير مشروعة، وهي إخفاء الحقيقة.
شروط التدليس: أن يكون مؤثر ويتعلق بالمدلس.
التدليس المؤثر.
المادة 86 ق.م "يجوز إبطال العقد للتدليس إذا كانت الحيل التي لجأ إليها المتعاقد أو النائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد..."، فالتدليس الذي يترتب عليه قابلية الإبطال هو الذي ينال من سلامة رضا المدلس عليه، فلابد أن يكون الغلط الذي وقع فيه المدلس عليه هو الدافع للتعاقد، وللمتعاقد طلب الإبطال أو الإكتفاء بالتعويض (124 ق.م)، وهي دعوى مستقل.
المدلس.
تشترط المادة 86 ق.م أن يكون التدليس صادر من المتعاقد أو من يمثله، أما إذا كان صادر من الغير فالمادة 87 ق.م تنص أنه: "...للمتعاقد المدلس عليه أن يطلب إبطال العقد، ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا التدليس"، ويعتد حينها بالتدليس الصادر من الغير شرط أن يعلم به المتعاقد المستفيد منه حقيقةً أو حكماً.
*والتدليس واقعة قانونية يمكن إثباتها بكل الوسائل ويتحمل المدلس عليه عبء الإثبات، وإذا أثبته فله حق الإبطال والتعويض.
المطلب الثالث:
الإكــــــــــــــــــــــــــراه.
حسب المادة 88 ق.م فالمكره خلافاً للذي وقع في غلط أو تدليس فهو يعلم بالعيب عند إبرام العقد، وعيب الإكراه هو ضغط غير مشروع يمارس على المتعاقد بوسائل مختلفة فيولد في نفسه رهبة أو خوف يدفعه لإبرام عقد لا يرغب فيه، وهذا الخوف أو الرهبة التي تقوم في نفس المتعاقد هي التي تعيب رضاه، ونفرق الإكراه المعدم للإرادة الذي يعدم الرضا ويعدم العقد وهو الإكراه المادي.
مفهوم الإكراه.
هو ضغط تتأثر به إرادة الفرد فيدفعه إلى إبرام عقد لا يرغب فيه،  ووسائل الإكراه كالتهديدات ليست هي من يفسد الرضا بل الرهبة والخوف حسب المادة 88 ق.م التي تقضي بإبطال العقد إذا ما تم التعاقد تحت سلطان رهبة بيّنة يبعثها المتعاقد في نفس المتعاقد الآخر.
الرهبة البيّنة: تنص المادة 88 ق.م أنه: "تعتبر الرهبة قائمة على بينة إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعيها أن خطر جسيم محدق يهدده هو أو أحد أقاربه في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال..."، فالرهبة البينة لها شرطان: الخطر والشخص المعني بالخطر.
-الرهبة قوامها الخطر الجسيم والمحدق:
بالنسبة للخطر الجسيم هو خطر كبير ذو عواقب وخيمة يخشاها المتعاقد بأن يكون محدق ومعين كحرق الممتلكات أو القتل. وقد تكون تهديدات عامة دون تحديد أو وضوح فلا نكون في هذه الحالة بصدد خطر جسيم، وهو أمر نسبي يأخذ بالحسبان المركز الثقافي والاجتماعي لكل متعاقد، وقد أخذ المشرع بالمعيار الذاتي في المادة 88 فقرة 03 "ويراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وجميع الظروف الأخرى التي من شأنها أن تؤثر في جسامة الإكراه".
-أما الخطر المحدق فهو الوشيك قد يقع من لحظة إلى أخرى، أما إذا كان بعيد أو متراخي الوقوع فهو لا يحدث رهبة في نفس المكره.
الشخص المهدد بالخطر: هو المتعاقد أو أحد أقاربه ولا تعتد المادة 88 ق.م بالخطر الذي يهدد الغير.
الرهبة غير المشروعة: يعيب الإكراه الرضا لأنه يهدف لتحقيق غاية غير مشروعة وهي إرغام المتعاقد على إبرام عقد لا يرغب فيه، ويستعمل في ذلك وسائل غير قانونية كالتهديد بالقتل، فمن شروط الرهبة أن تكون غير مشروعة أي دون وجه حق، وتكون مشروعة إذا هدده باستعمال نفوذ أدبي أو حق من حقوقه.
الشوكة والنفوذ الأدبي: كالأب أو المعلم وهو أمر مشروع طالما المقصود تحقيق غاية مشروعة، أما إذا كانت غير مشروعة فتعتبر عيب في الرضا للتعسف في السلطة والإفراط فيها.
أما التهديد باستعمال حق: هو مشروع إذا كانت الغاية مشروعة كتهديد الدائن للمدين بحجز أمواله إذا لم يرض برهن بعضها، أما إذا كان غير مشروع كتهديد سارق باعتراف بدين فيعتبر عيب يفسد الرضا، وكذلك إذا كانت الوسائل المستعملة غير مشروعة.
الفرع الثاني:
مصدر الإكـــــــــــــراه.
الإكراه ظاهرة نفسية وواقعة قانونية يجب إثباتها من قبل المكره بكل الوسائل، ويمكن النظر للاكراه من زاويتين: كونه عيب من عيوب الرضا، أو عمل غير مشروع، وكونه عيب فإنه يفسد الرضا مهما كان مصدره سواء المتعاقد أو الغير أو حالة الضرورة، أما باعتباره عمل غير مشروع فلا يمكن إبطال العقد إلا إذا صدر من المتعاقد، ويهمنا الإكراه باعتباره عيب.
إكراه المتعاقد: يكون العقد قابل للإبطال حماية لحسن النية من المتعاقد سيء النية؛
إكراه الغير: تنص المادة 89 ق.م أنه: "إذا صدر الإكراه من غير المتعاقدين، فليس للمتعاقد المكره أن يطلب إبطال العقد إذا أثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم، أو كان من المفروض حتماً أن يعلم"، فيشترط المشرع للإبطال حال إكراه الغير أن يكون الآخر يعلم حقيقة أو حكماً، ويمكنه مطالبة الغير بالتعويض.
حالة الضرورة: وهو الضغط الذي تولده أحداث أو ظروف اقتصادية أو اجتماعية او طبيعية تهيأت صدفة فيستغلها المتعاقد ويحمل من كان في هذه الظروف على إبرام العقد بشروط ما كان ليقبلها في ظروف عادية، فيمكن الإبطال على قواعد الشريعة (كحلولة محمد).











المطلب الرابع:
الاستغـــــــــــــــــــــلال.
لم يكن القانون القديم (الفرنسي) يهتم بتعادل التزامات المتعاقدين، وسببه اعتماده على مبدأ سلطان الإرادة، وكذا مبادىء المذهب الفردي، فالعقد بالنسبة لهذا المذهب هو الوسيلة المثلة لتحقيق العدالة وضمانها بين أفراد المجتمع، فهم متساوون في الحقوق والواجبات ويتمتعون بحرية كاملة بحيث يستحيل أن يبرم أحدهم عقد مصر بمصالحه، وهذا التصور الذي يعتد بالتعادل "المجرد" équivalence abstraite تلخصه المقولة المشهورة "العقد هو العدل" qui dit contrat dit juste (fouillé).[2]
ولكن هذه الاعتبارات لم تمنع المشرع الفرنسي وقت وضعه للقانون المدني 1804 من استثناء حالتين: القسمة وبيع العقار (887، 1674 فرنسي)، فيعتبره في هاتين الحالتين معيباً إذا بلغ التفاوت بين التزامات المتعاقدين الحد الذي عينه المشرع وهو 7/12 طبق المادة 1674 ق.م.فرنسي، وتكون العبرة بالتفاوت المادي بين قيمة التزامات المتعاقدين وليس بحالتهما النفسية، هذا الوضع الذي يسمى بالغبن la lésion ، وهو عيب قائم بذاته فهو عيب في العقد لا في الرضاء، كما أنه يقتصر عادة على العقود التبادلية والمحددة، لأن العقد الملزم لجانب واحد يرتب التزام واحد، كما يتنافى مع الغرر l’aléa الذي يميز العقود الاحتمالية مع الغبن.
*وقد أفرز المجتمع حقائق جديدة، منها عدم المساواة بين أفراد المجتمع في شتى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيث أصبح الأقوياء يفرضون شروطهم على الضعفاء ما جعل الفقه والمشرع يهتم بهذه الظاهرة، فاقترح الفقه تصورن من شأنهما معالجة اختلال تعادل التزامات المتعاقدين.
1-التصور الموضوعي.
يكون عدم التكافىء بين ما يدفعه المتعاقد وما يحصل عليه كافي لإبطال العقد بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية والنفسية لكل متعاقد، فالعبرة هي بالتفاوت في القيمة المادية بين التزامات المتعاقدين، فتعادل الإلتزامات المتقابلة الذي يقوم عليه هذا التصور أولى من اتفاق الإرادتين، بحيث "يتقدم تعادل الأداءات على الحرية التعاقدية" ce qui est juste prime ce qui a été voulu (aubert)، ويستمد هذا التصور الذي كيف هذا التفاوت على أنه عيب قائم بذاته يسمى "الغبن"، وكان يسميه رجال الكنيسة "الثمن العادل" prix juste والأجر العادل juste salaire، ويعاب على هذا التصور الذي يعتد بالتعادل الحقيقي[3] équivalence concréte للأداءات صعوبة تطبيقه من حيث المشاكل الكبرى التي يواجهها الاقتصاديون بخصوص تحديد الأسعار.

2-التصور الذاتي.
يجب أن يكون التفاوت الذي قد يوجد بين ما يعطيه المتعاقد تنفيذاً لالتزامه وللفائدة التي يتحصل عليها ناتجاً عن ضعف (هوى، طيش، حاجة ملحة...) المتعاقد المغبون من جهة، واستغلال المتعاقد الآخر لهذا الضعف من جهة أخرى، ويرى أنصاره أن الغبن الذي يقع فيه المتعاقد يعني حتماً عيباً في رضاه، ما يجنبهم التناقض مع المبدأ القائل أن العقد هو العدل، وهكذا أصبح الغبن مجرد عيب من عيوب الرضا، حيث تكون العبرة في هذه النظرية بالضعف النفسي الذي نال من سلامة رضا المتعاقد المغبون، ويجب أن يكون هذا الضعف النفسي مؤثر ومستغل من طرف المتعاقد المستفيد من العملية العقدية.
بالنسبة للتشريعات.
فقد استحدثت جلها أحكام تعالج مشكلة عدم التعادل بين التزامات المتعاقدين، المادة 138 مدني ألماني تقضي "ببطلان التصرف القانوني الذي يستغل به الشخص حاجة الغير أو خفته أو عدم تجربته ليحصل لنفسه أو لغيره في نظير شيء يؤديه على منافع مالية تزيد عن قيمة هذا الشيء، بحيث يتبين من الظروف أن هناك اختلال فادح Disproportion choquante في التعادل بين تلك المنافع وقيمة هذا الشيء".
وتقضي المادة 21 من قانون الالتزامات السويسري أنه: " في حالة اختلال التعادل اختلال واضح disproportion évidente ما بين تعهد أحد المتعاقدين وتعهد المتعاقد الآخر، يجوز للمغبون في غضون سنة أن يعلن بطلان العقد ويسترد ما دفعه، إذا كان قد دفع هذا العبن من طريق استغلال حاجة وقع فيها أو خفة أو عدم تجربة"، وتقضي المادة 22 من المشروع الفرنسي-الإيطالي أنه: "إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين بعيدة عن كل تعادل hors de toute proportion مع ما حصل عليه بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر، بحيث يفترض تبعاً للظروف أن رضاه لم يصدر عن اختيار كافي، جاز للقاضي بناءاً على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد او ينقص الإلتزامات".
وتنص المادة 129 مدني مصري أنه: "إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر، وتبين أن المتعاقد المغبون لم يرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيش بيّن أو هوى جامح جاز للقاضي بناءاً على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو ينقص التزامات هذا المتعاقد...".
*أما المشرع الجزائري فقد عالج هذه المسألة في المادة 90 ق.م بالنص أنه: " إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين متفاوتة كثيراً في النسبة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر وتبيّن أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيش بين أو هوى جامح، جاز للقاضي بناءاً على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو أن ينقص التزامات هذا المتعاقد...ويجب أن ترفع الدعوى  بذلك خلال سنة من تاريخ العقد، وإلا كانت غير مقبولة...ويجوز في عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف الآخر دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضي كافياً لرفع الغبن".
يظهر من موقع النص أن المشرع ألحق المسألة بالرضا، وكذا نقلها تقريباً من المادة 129 ق. مصري، والمادة تصف الضحية بالمغبون ما يذكرنا بمفهوم الغبن الذي اعتمده المشرع في بعض الحالات الخاصة: ( المواد: 358، 415، 732 ق.م وكذلك المادة 66 من الأمر 05-03 مؤرخ في 07 جويلية 2003 يتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة).
كما يشير المشرع لفعل استغلال الضعف فيذكرنا بعيوب الرضا.
ولقد أثار هذا المزج بين مفاهيم متباينة مشكل تكييف هذه الحالة: هل هي عيب في الرضا أم عيب في العقد؟ الحقيقة هو عيب في الرضا فيعتبر التفاوت في الإلتزامات معيار للغبن بينما هو نتيجة في عملية الاستغلال، فنتعرض لمفهوم الاستغلال ثم جزاؤه وكذا مسألة الغبن في المادة 91 ق.م.
الفرع الأول:
مفهوم الاستغلال.
الاستغلال هو انتهاز المتعاقد حالة الطيش البيّن أو الهوى الجامح الذي يعتري المتعاقد يحمله على التعاقد بعقد يتحمل بمقتضاه التزامات لا تتعادل بتاتاً مع العوض المقابل أو من غير عوض فللاستغلال عنصر مادي وآخر نفسي.
1-العنصر المادي.
بالنظر إلى العقد قد يتمثل العنصر المادي في التفاوت بين التزام المتعاقد والعوض الذي يحصل عليه، أو في التفاوت بين حظ الربح والخسارة للذي يتحملها أو انعدام العوض أصلاً.
أ-التفاوت بين الالتزام والعوض.
يتضح من المادة 90 ق.م أن للتفاوت صورتين: فقد يكون ما بين التزامات المغبون وما حصل عليه من فائدة avantage بموجب العقد، وتجسد هذه الصورة التفاوت الذي يحصل في عقود المعاوضة، وقد يكون التفاوت ما بين التزامات المغبون والتزامات المستغل، وتترجم الصورة الثانية التفاوت الذي يلحق العقود التبادلية أي العقود التي ترتب على المتعاقدين التزامات متبادلة ومتقابلة، ولكن إذا كانت العبرة بتعادل ما التزم به المتعاقد مع ما تلقاه مقابل ذلك، فالكلام ينحصر في عقود المعاوضة دون غيرها، ويشترط العميد carbonnier بشأن الغبن الذي يتمثل في التفاوت بين القيمة المادية أو الاقتصادية لالتزامات المتعاقدين وهو العنصر المادي للاستغلال أن يكون العقد تبادلي ومحدد ومعاوضة.
ويظهر أن ما قصده المشرع هو التفاوت بين ما يعطي المتعاقد تنفيذاً لالتزامه وما يأخذه من عوض في مقابل ذلك، فالتفاوت يكون ما بين أداء المتعاقد Prestation والأداء المقابل contre-prestation الذي قام به الطرف الثاني على سبيل العوض؛
ويكون التفاوت إذن بين قيمة الأداء الذي يقوم به المتعاقد المغبون، وقيمة العوض الذي يتحصل عليه، ويتبيّن هذا التفاوت عند مقارنة قيمة الأداء بقيمة الأداء المقابل. ويعتد المشرع بـ"التفاوت الكثير في النسبة"، في حين تأخذ القوانين الأخرى بـ"الاختلال الفادح"، و"لا تتعادل البتة"؛
وبمفهوم الخالفة فإن التفاوت اليسير الذي نجده في كل المعاملات هو أمر عادي ومقبول في التبادلات العقدية.
واكتفى المشرع بوصف التفاوت دون تعيين مقدار حسابي له، كما هو الأمر في حالات الغبن، سواء في بيع العقار أو عملية القسمة، ولعلّ السبب في اختيار وصف التفاوت بدل من تحديده حسابياً هو طبيعة العيب إذ العبرة بالدرجة الأولى بنفسية المتعاقد، وبالقيمة الشخصية للأداءات وليس قيمتها الاقتصادية.
ومهما يكن من أمر فإن القاضي هو الذي يتولى تعيين "التفاوت الكثير في النسبة" الذي يستوجب الحماية القانونية، ويتمتع القاضي في هذا الشأن بسلطة تقديرية واسعة، وله أن يفصل في كل قضية على حدا، وعملية التقدير مسألة واقع لا تخضع لرقابة المحكمة العليا، وقد يعاب على هذه الكيفية ما قد يعتري القاضي من تفريط وتعسف عند تقدره التفاوت.
ب-التفاوت بين حظ الربح والخسارة.
لا يعتد بهذا التفاوت في العقود الاحتمالية حيث يرى بعض الفقه أنه لا مجال لتطبيق نظرية الاستغلال على هذه العقود كونها تقوم بطبيعتها على حظ الربح والخسارة Celui qui joue ne peut se plaindre de perdre (carbonnier).
والحقيقة أن احتمال الربح أو الخسارة الذي يقوم عليه العقد الاحتمالي شيء، واستغلال ضعف المتعاقد شيء آخر، لذا يجب أن يكون احتمال الربح والخسارة الذي يحمله المتعاقد متكافىء مع حظ الربح أو الخسارة الذي يتحمله المتعاقد الثاني، أما إذا لم يكن هناك تكافىء بين ما يتحمله كل متعاقد فإننا نكون بصدد تفاوت بين التزامات المتعاقدين وقد يرجع ذلك إلى ضعف نفسي للمتعاقد المغبون واستغلال هذا الضعف من الآخر.
وقد أخذ القضاء الفرنسي بهذا الحل فيما يخص بيع العقارات مقابل إيراد شهري أو سنوي، فإذا كان الإيراد أقل أو يساوي المدخولات الشهرية أو السنوية للعقار فإن حظ الخسارة الذي يتحمله المشتري لا يتناسب تماماً مع ذلك الذي يتحمله البائع، فهناك تفاوت كبير في النسبة ما بين حظ الربح أو الخسارة الذي يتحمله المشتري وهو في الحقيقة لا يتحمل أي خسارة مهما طال عمر البائع لأن أرباح العقار تغطي المبلغ الذي يدفعه على سبيل الإيراد للبائع من قبل ثمن البيع، وحظ الربح والخسارة الذي يتحمله البائع والمتوقف على موته، فإن طالت حياته ربح وإن قصرت خسر.


ج-انعدام العوض.
قد يظن أن عقود التبرع بمنأى عن الكلام عن اختلال التعادل بين التزامات المتعاقدين، لكن المادة 90 ق.م لم تستبعدها حيث جاء في الفقرة 03 منها: "جوز في عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف الآخر دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضي كافي لرفع الغبن"، فمن باب المخالفة عقود التبرع تخضع لنظرية الاستغلال، والجزاء هو إبطال العقد أو إنقاص التزامات المغبون والإختلال يكمن بين الالتزامات التي يتحملها المتبرع والغاية المعنوية التي يسعى لتحقيقها وتكون العبرة بالقيمة الشخصية للأشياء لا بالقيمة المادية.
ويقترح الفقه عملياً كيفيتين لتقدير التفاوت بين التزامات المتعاقد والغاية التي يهدف إليها، أما الكيفية الأولى، فيرى أصحابها أنه ما دام عدم التوازن ف عقود التبرع موجود أصلاً لانعدام العوض فهي أولى بتحقيق الاستغلال فيها.
وعليه فالعنصر المادي للاستغلال دائماً مفترض، أما أصحاب الكيفية الثانية يرون أن التفاوت بين التزامات المغبون والغاية التي يسعى إلى تحقيقها يتمثل في المقدار غير المألوف للمال المتبرع به من جهة وثروة المتبرع من جهة أخرى وهذه هي الأقرب لأحكام المادة 90 ق.م.
العنصر النفسي.
حصرهما المشرع في الطيش البين أو الهوى الجامح:
-الطيش البيّن: هو حالة نفسية تعتري الشخص تجعله يتخذ قرارات بدون تبصر ولا تفكير كافي، ويتميز الطائش بالتسرع في تصرفاته دون تقدير عواقبها، وتشبه حالته السفيه وضماناً لاستقرار المعاملات يشترط في الطيش أن يكون بيّن.
-الهوى الجامح: هو الرغبة الشديدة التي تقوم في نفس المتعاقد فتنال من سلامة القرارات التي يتخذها، فميول النفس واشتهاؤها شيء ما أو شخص معين يندفع معه المتعاقد المغبون ويسعى لتحقيق رغبباته دون تبصر.
*استغلال ضعف المغبون.
تشترط المادة 90 ق.م زيادة على الضعف النفسي أن يستغل المتعاقد هذا الضعف فيدفع المغبون إلى إبرام العقد، فما يقوم به هو عمل غير مشروع يُسأل عليه مدنياً وأحياناً جزائياً.
الفرع الثاني:
جـــــــــــــــــــزاء  الاستغلال.
إذا تحقق الاستغلال على النحو السابق يجوز للمغبون بمقتضى المادة 90 ق.م أن يطالب بإبطال العقد أو الإنقاص من التزاماته، وهذا خلال سنة من تاريخ العقد وإلا كانت دعواه غير مقبولة، هذا الأجل يشبه حالات الغبن كما هو الوضع بالنسبة للغبن في بيع العقارات ( 359 ق.م)، أو الغبن في القسمة ( 732 ق.م)، ويعتبر الغبن في مثل هذه الحالات عيب في العقد قائم في ذاته لا علاقة له بسلامة رضا المغبون، ومن الطبيعي أن تكون مدة الطعن فيها في صحة العقد قصيرة وأن تحسب مواعيدها من تاريخ العقد أن يكون الأجل إسقاط لا تقادم، واعتماد مثل هذا الأجل في الاستغلال يعني ترجيح استقرار المعاملات على حساب الحماية القانونية للمغبون.
1-دعوى الإبطال.
من له الحق في المطالبة بإبطال العقد؟ هل القاضي ملزم بالحكم بإبطال العقد؟ وهل يمكن توقي الإبطال؟
أ-الإبطال حق للمغبون.
يسعى المشرع من دعوى الإبطال لحماية المصالح الشخصية للمغبون، وعليه فللمغبون وحده دون غيره حق المطالبة بإبطال العقد وله التنازل عن هذا الحق، فلا يجوز للمستغل التمسك بها ولا للقاضي أن يحكم بها من تلقاء نفسه (المادة 90 ق.م : "...جاز للقاضي بناءاً على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد...".
ب-السلطة التقديرية للقاضي.
إذا تقدم المغبون بدعوى الإبطال وتأكد القاضي من وجود حالة الاستغلال فهل يلزم بإبطال العقد أم له أن يقضي بإنقاص التزام المتعاقد المغبون فقط؟
يستخلص من مبادىء التقاضي أن القاضي مقيّد بطلبات المتخاصمين فلا يستطيع القاضي أن يحكم بأكثر من طلبات الخصوم، في حين يجوز له أن يقضي بأقل من ذلك ( م 358 ق إ م إ: " لا يبنى الطعن بالنقض إلا على وجه أو أكثر من الأوجه التالية: ...16-الحكم بما لم يطلب أو بأكثر مما طلب؛...")، ويعتبر إنقاص التزام المتعاقد المغبون أقل من طلب الإبطال، ما يسمح للقاضي بإنقاص التزامات المتعاقد المغبون بدل إبطال العقد، ويدخل هذا الاختيار بين الإبطال والانقاص ضمن السلطة التقديرية لقاضي الموضوع، فله على ضوء ملابسات وظروف القضية أن يحكم بإبطال العقد إذا كان يرى أنه أحسن وسيلة لرفع الغبن، وقد يكتفى بإنقاص إلتزامات المغبون وإبقاء العقد إذا تبيّن له أن إجراء الإنقاص كافي لرفع الغبن (قد تحقق به فكرة العدل التبادلي حسب بعض الفقه).
توقي دعوى الإبطال.
المادة 90 فقرة 03 ق.م "ويجوز في عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف الآخر دعوى الإبطال، إذا عرض ما يراه القاضي كافي لرفع الغبن".
يمكن بهذا الحكم رفع الغبن في عقود المعاوضة بالزيادة في مقدار التزامات المستغل عوض إنقاص التزامات المغبون أو الإبطال، وهو أمر إرادي محض يتم برضاء المتعاقد وبإرادته التلقائية، ويلزم القاضي بطلب المستغل إذا كانت الزيادة التي يعرضها كافية لرفع الغبن، فلا يمكنه إبطال العقد أو إنقاص التزامات المغبون، غير أنه يتمتع بسلطة تقديرية واسعة فيما يخص مقدار الزيادة التي من شأنها رفع الغبن.
ومهما يكن فإن النتيجة المنتظرة ليست التعادل الحسابي بين التزامات المتعاقدين ولكن رفع التفاوت الفاحش فقط.
دعوى الإنقاص.
أقر المشرع لجانب الإبطال وسيلة ثانية لرفع الغبن تتمثل في الإنقاص من التزامات المغبون، ويتقيد القاضي بدعوى الإنقاص التي يتقدم بها المغبون، حيث لا يمكنه أن يقضي بإبطال العقد، لأن ذلك يخالف مبدأ التقاضي، ولا يسعه إلا أن ينقص من التزامات المغبون إذا تحقق وجود الاستغلال أو أن يرفض الدعوى إذا لم يتحقق الاستغلال.
إن دعوى الإنقاص تضمن استقرار المعاملات ولكنها لا تحقق توازن كلي بين الالتزامات، لأنها تقلل من فداحة الغبن فقط، والإنقاص يتم بمقتضى القانون أما الزيادة فترجع لإرادة المستغل وهو التفسير الضيق للنص (حسب الفقه).
ويتولى القاضي في إطار سلطته التقديرية تحديد المقدار الذي يجب إنقاصه من التزامات المغبون لرفع الغبن مستهدياً بالعدالة العقدية.
*المادة 91 ق.م تستبعد تطبيق أحكام الاستغلال على بعض العقود التي تسري عليها أحكام الغبن.
الفرع الثالث:
الغـــــــــــبــــــــن.
الغبن حسب التعريف الضيق هو "عدم التعادل بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه" (السنهوري)،     أو أنه "الضرر الذي يلحق أحد أطراف العقد نتيجة عدم التعادل بين الأداءات المتبادلة"، ومن نتائج هذه التعريفات أن الغبن لا يتحقق إلا في عقود المعاوضة التبادلية الاحتمالية.
أما التعريف الموسع يكون الغبن ذلك الضرر الذي يلحق أحد أطراف العقد نتيجة عدم التعادل بين ما تحصل عليه من فائدة وما قدمه من تضحية أي بين غرمه وغنمه (Aubert).
وبهذا التعريف ينصرف الغبن إلى كل عقود المعاوضة ولو كانت ملزمة لجانب واحد ويعتبر أنصار التعريف أن هذا يعد "ربا" Usure.
ولم يأخذ المشرع بالغبن كقاعدة عامة تسري على كل العقود ولفائدة كل المتعاقدين، وإنما أقره كحالة استثنائية تعني بعض العقود، ولفائدة بعض المتعاقدين كبائعي العقارات دون المشترين ( 358 ق.م).
فالمشرع حذا حذو المشرع الفرنسي الذي كان يسعى من خلال أحكام خاصة بالغبن حماية بعض الحالات الخاصة بالنظر إلى الوضع السائد وقت إصدار القانون المدني الفرنسي، ويكون المشرع الجزائري الذي بقي متمسكاً بهذا الموقف حتى بعد تعديل القانون في إطار برنامج إصلاح العدالة، تجاهل المستجدات التي طرأت على المجتمع لاسيما الأزمة الحادة في العقار، ومن العوامل الجديدة التي تتعارض مع إبقاء الغبن كحالة استثنائية لحماية البائع أن المشتري هو الذي أصبح الطرف الضعيف.
وعلى ضوء الأزمة التي تعرفها نظرية العقد بسبب تفاوت المتعاقدين وتفاوت التزاماتهم وتراجع العدالة العقدية وغيرها أنه كان من الأفضل تعميم فكرة الغبن على جميع العقود لاسيما أنه شعر بهذه الضرورة من خلال اعتماده فكرة الاستغلال كعيب في الرضا واعتماد الظروف الطارئة.
*ومن بين العقود التي تسري عليها أحكام الغبن نذكر المادة 358 ق.م المتعلقة ببيع العقارات: "إذا بيع عقار بغبن يزيد عن الخمس فللبائع الحق في طلب تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل...ويجب لتقدير ما إذا كان الغبن يزيد عن الخمس أن يقوّم العقار بحسب قيمته وقت البيع"، والمادة 415 تطبق هذه الأحكام على عقد المقايضة، وكذا المادة 732 ق.م ونصها: "يجوز نقض القسمة الحاصلة بالتراضي إذا أثبت أحد المتقاسمين أنه لحقه منها غبن يزيد على الخمس، على أن تكون العبرة في التقدير بقيمة الشيء وقت القسمة...ويجب أن ترفع الدعوى خلال السنة التالية للقسمة وللمدعى عليه أن يوقف سيرها ويمنع القسمة من جديد إذا أكمل للمدعي نقداً أو عيناً ما نقص من حصته".
*ويتضح من خلال هذه الأحكام الخاصة ما يلي:
-العبرة في الغبن تكون بالتفاوت المادي الموجود بين التزامات المتعاقدين، فالغبن عيب قائم بذاته وهو عيب في العقد، ولا دخل للاعتبارات الشخصية أو الحالات النفسية للمتعاقدين، وقد كيفت المحكمة العليا دعوى الغبن ( غ.م ملف: 584684 في 22 جويلية 2010) "أنها ليست من الدعاوى المرتبطة بشخص الخصم تنقضي بالوفاة بل هي من الدعاوى المالية التي لا تنقضي بوفاة الشخص بل تنقل للخلف العام"؛
-إن الغبن يقتصر على بعض العقود المتعلقة بالعقار هي: البيع، المقايضة والقسمة ونصوص خاصة منها المادة 66 من الأمر 03-05 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة التي كرست حق المؤلف بمراجعة العقد للغبن "...تبين بوضوح أن المكافأة الجزافية المحصل عليها تقل عن مكافأة عادلة قياساً بالربح المكتسب..."؛
-الغبن يعتد به لفائدة البائع والمتقاسم فقط فلا يمكن للمشتري الدفع به؛
-مقدار التفاوت الذي يتحقق به الغبن هو خمس القيمة، وتكون العبرة بقيمة العقار وقت البيع.

[1] : مأخوذ من كتاب الأستاذ علي فيلالي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ الباحث القانوني-Carrefour _droit ©